يكلّف إلا النفل . هذا إذا كان الثواب الّذي عرض له بالنفل مثل ما يستحقّه بالفرض لو كلّفه ، فأمّا إذا كان في الفرض الثواب أزيد فغير ممتنع على طريقته رحمه اللّه أن يكلّفه دون النفل ، وإن كان المعلوم أنه متى عصى فيه استحقّ العقاب . وهذا كلّه لا يؤثّر في صحّة ما تكلّفه رحمه اللّه من بيان القول بأنّ تكليف النوافل وحدها لا يصحّ ، لما في ذلك من إسقاط السؤال من أصله ، وإن صح على طريقته أن يجيب بما ذكرناه أيضا لو صح تكليف النوافل وحدها . فعلى هذا الوجه يجب أن يجرى في هذا الباب .
فأمّا قول السائل : هلّا جاز أن يكلفه تعالى على وجه يعلم أنه يؤمن ، ولا يكلفه على وجه يعلم أنه يكفر ، فليس له مدخل فيما قدمناه ؛ لأنه إن سلم له ذلك لم يخرج التكليف من أن يكون واقعا على وجه يصح أن يعصى فيه المكلف فيستحق العقاب ، وإن كان المعلوم أنه يطيع لا محالة . ولا يمتنع أن يكون المعلوم من حاله أن يعصى فيه المكلف على جميع / الوجوه ؛ لأن ذلك غير ممتنع ؛ كما لا يمتنع أن يعلم من حاله أنه يطيع على كل وجه يكلّف عليه . ولو صحّ أنه لا بدّ من وجه لو كلف عليه لأطاع لم يمتنع أن أن يحسن تكليفه إذا كان في ذلك الوجه من زيادة الثواب ما ليس في غيره على ما نبينه بعد . ولو لم يكن فيه مزيد ثواب كان لا يمتنع أن يكلّفه على الوجهين جميعا ، لما يحصل له من مزيد الثواب لمجموعهما ، وإن عصى في أحد الوجهين .
هذا إذا لم يتناف تكليفه على الوجهين ، ولم يكن أحدهما فسادا في الآخر ؛ لأنه متى كان المعلوم ما ذكرناه لم يحسن منه تعالى أن يجمع بين الوجهين أو الفعلين في التكليف .
فأمّا ما سأل عنه في الوقتين ، وفي اللطف ، وفي أنه لا يحسن أن يكلفه مع العلم بأنه يكفر مع صحة الإنعام عليه تفضّلا ، وقوله : إذا حسن إسقاط العقاب فهلّا وجب
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 173
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٧٣