فإن قال : ومن أين أن ذلك يصحّ مع غلبة الظن ، ونحن ننازع فيه ؛ كمنازعتنا في صحته مع العلم ؟
قيل له : قد ثبت أن الواحد منا يغلب على ظنه ممن يستدعيه إلى الدين أو يرشده إلى الطريق أنه لا يقبل ذلك ، ويصحّ أن يريده منه ؛ كما يصح إرادة ذلك ممن يغلب على الظن أنه يقبل ولا شيء أظهر مما نجده من أنفسنا ، فيجب بذلك بطلان قول المخالف فيه .
ولا يمكن دفع ما قلناه من أنه قد يغلب على ظننا من حال اليهودىّ وسائر المخالفين أنه لا يقبل ما ندعوه إليه لأمارات تظهر في ذلك ، وقد نريد القبول منه وندعوه إليه .
يبيّن صحة ما قلناه أن العلم بصحّة حدوث الشيء ، والاعتقاد لصحة حدوثه ، والظن لذلك يجرى مجرى واحدا في صحّة الإرادة . وكذلك العلم باستحالة حدوثه . والاعتقاد لذلك يتساوى في استحالة إرادته . فإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يقوم العلم مقام غلبة الظن فيما قدمناه من صحة إرادة ما نعلم أن القادر يصحّ أن يفعله .
وإنما اعتمدنا على غلبة الظنّ لأنه لا سبيل لنا إلى العلم بالأمور المستقبلة التي تقع من العباد ؛ لأنا نجوّز في كل واحد منهم أن يخترم دون الفعل ، وأن يعصى أمرنا ومرادنا ، كما نجوّز فيه أن يطيع ، فإذا ثبت ذلك لم يمكن أن نبيّن ذلك / بالعلم ، وإن كان شيوخنا رحمهم اللّه قد بيّنوا ذلك بأنه قد ثبت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يريد من أبى لهب وغيره الإيمان ، وإن علم أنه لا يؤمن بخبر اللّه تعالى ، ويصحّ منا إرادة الإيمان من جماعة الكفار ، وإن علمنا أنهم لا يجتمعون على الهدى .
فإن قيل : إن الاعتماد على ذلك لا يمكن مع كون المخالف مخالفا في صحّة تكليف من يعلم أنه لا يؤمن وإرادة ذلك منه ؛ لأنه ينكر ما وكّدتموه من جهة الشرع ، ويحيل ورود ذلك من الحكيم ، بل يقول : إن هذا التكليف من فعل الظلمة ، أو من فعل الشيطان ، على ما يقوله الثنوية والمجوس . قيل له : إن الدلالة قد دلّت على فساد قولهم ، وعلى ثبوت الشرع ، فلا يمتنع أن نبنى هذا الكلام عليه ، ولا يمتنع أيضا أن نبنيه على أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 161
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٦١