وقد بينّا من قبل بطلان قول المجبرة : إن إرادة كون ما لا يكون تمنّ وشهوة ، فلا وجه لإعادته . ويجب أن تكون الإرادة في هذا الباب بمنزلة القدرة ، فإذا لم يمتنع فيها أن تتعلّق بما المعلوم ألا يحدث إذا صح حدوثه بها ، فكذلك لا يمتنع مثله في الإرادة .
وقد دللنا على صحّة ذلك في القدرة ؛ لأنا قد بينّا من قبل أن القادر يقدر على ما يعلم أنه لا يكون وتقصّينا القول فيه ، فيجب مثله في الإرادة .
وبينّا في باب الإرادة أنه تعالى قد أراد من جميع المكلفين الطاعة والإيمان ، وإن علم أن بعضهم يعصى ولا يفعل ما أريد منه . وكل ذلك يبيّن صحّة ما قدمناه .
ويدلّ على ذلك أن الواحد منا قد يعلم نفسه مريدا من ولده الفعل ، ثم ينكشف له في الثاني أن ذلك الفعل في الحال الّذي أراده لم يوجد ، كما ينكشف له أنه يوجد منه ذلك ، ولا يفرق بين حالتيه في كونه مريدا ، كما لا نفرق بين حالتيه في كونه معتقدا لما يعتقده .
وهذا يبيّن أن انتفاء حدوثه لا يحيل تعلّق الإرادة به .
فإن قال : إني لا أمتنع من جواز كونه مريدا لما لا يحدث إذا اعتقد أنه يحدث ، وإنما أمتنع من ذلك إذا علم أن من أراده منه لا يختاره .
قيل له : إذا كان علمه بذلك لا يمنع من صحّة حدوثه من جهته ، ومن أن يكون عالما بذلك من حاله ، لم يمنع من صحّة كونه مريدا له ، ولا فرق بين من أحال كونه مريدا له ، وبين من أحال كونه مقدورا . وقد اعتمد / شيوخنا رحمهم اللّه في إبطال هذا القول على أن العلم بأن القادر لا يفعل الفعل لو منع من أن تصح إرادته منه لمنع غالب الظن من ذلك ، فكان يجب إذا غلب على ظن الواحد منا أن غيره لا يفعل الفعل ألّا يصح أن يريده ، وفي علمنا بصحة ذلك دلالة على فساد هذا القول .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 160
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٦٠