الواحد منا قد اعتقد أن جماعة الكفار لا يؤمنون ، وكذلك الرسول قد اعتقد في أبى لهب ذلك ، لأن اعتقاد ذلك لا يمكن دفعه ؛ كما يمكن ذلك في العلم ، ومع ذلك فقد صحّ منه عليه السلام إرادة الإيمان منه ، وكذلك منّا . وإذا ثبت أن اعتقاد انتفاء ذلك فيه لا يمنع من صحّة إرادته ، فكذلك القول في العلم على ما رتّبنا الكلام فيه .
وهذا الوجه أولى أن يعتمد من الوجه الأول . وإذا ثبت هذه الجملة لم يمكن أن يقال إن تكليف من يعلم اللّه أنه يكفر لا يصحّ أصلا ، فضلا عن أن يقال : إنه يحسن في الحكمة ، لأنا قد بينا أن إرادة الإيمان منه تصحّ ، وهي التكليف ، فلا وجه للمنع من صحّته ويجب أن ينظر في حسنه أو قبحه .
وإنما قدّمنا القول في ذلك ؛ لأنا نعتمد في حسن هذا التكليف على أنه تعريض لمنفعة عظيمة ، والتعريض للشئ في حكمه ، فلا بدّ من أن نبيّن أنه يصح منه تعالى إرادة ذلك ؛ لأن بها يكون / معرّضا ، ولولا ها لم يكن بأن يكون معرّضا للنفع أولى من أن يكون معرّضا للمضرة ؛ لأنه قد مكّن المكلّف من فعل ما يصل به إلى كلا الأمرين .
ولسنا نجعل الإرادة ممّا بها يصير المكلّف عالما بوجه الوجوب عليه ، وقبح القبيح ، لأنه تعالى إذا اضطرّه إلى ذلك ، أكمل « 1 » عقله ، وعرف ذلك أراد منه فعل الواجب أم لم يرد ، ويكون في حكم المكلّف في أنه يستحقّ الثواب على الواجب ، والعقاب إذا أخلّ به أو أقدم على القبيح الّذي يعرف حاله . لكن القديم تعالى لا يكون مكلّفا له إلّا بأن يريد عند إكمال عقله وجعله إيّاه على الشرائط التي معها يجب تكليفه منه الواجبات « 2 » واجتناب القبائح . وإن كان لا يمتنع أن يقال : إنه يوجب عليه
هامش
( 1 ) في الأصل : « وأكمل » .
( 2 ) هذا الكلام . معمول لقوله : « يريد » .