« الكلام في حسن تكليف من يعلم اللّه تعالى أنه يكفر »
فصل في أنه يصح إرادة ما يعلم المريد أنه لا يقع
قد بينّا في باب الإرادة أن الإرادة تتناول الشيء على طريقة الحدوث ، وأن كل ما صحّ عند المريد حدوثه أو حدوثه على بعض الوجوه يصحّ أن يريده .
وبينّا ذلك بأن ما اعتقد الواحد منا استحالة حدوثه لا يجوز أن يريده ، ومتى اعتقد صحة حدوثه صحّ أن يريده على طريقة واحدة . فيجب لهذا الأصل صحّة إرادة الواحد منا من غيره إحداث الفعل ، كان المعلوم أن يفعله ، أو لا يختار فعله .
فإن قال : إذا لم يصح تعلّق العلم بحدوث الشيء إلا والمعلوم أنه يحدث ، فهلّا قلتم بمثله في الإرادة ؟
قيل له : إن العلم يتعلق بالشيء على ما هو به ، فلا يصحّ أن يتعلق بحدوث الشيء إلّا ويجب أن يحدث ، وإلا انقلب جهلا . وليس كذلك حال الإرادة ؛ لأنها تتناول حدوث الشيء ولا تتعلّق به على ما هو به . وهي في بابها بمنزلة الاعتقاد الّذي قد يتعلّق بالشيء على ما هو به وعلى ما ليس به ؛ لأنها لا تكون إرادة بأن تقع على وجه مخصوص ، فهي جنس الفعل كالاعتقاد فحملها عليه أولى من حملها على العلم .
ولذلك لا يفترق حال الإنسان / فيما يجده من نفسه من كونه مريدا للشئ بين أن يحدث عنده أولا يحدث ، كما يجد العالم من نفسه أن معلومه يجب أن يكون على ما علمه .