تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
وإحسانا . وأمّا ما ذكره السائل ؛ من أنه إذا لم يكلف الحىّ أو لم يجعل الجماد حيّا مكلفا فقد اقتصر بخلقه على وجه دون وجه من المنافع ، وهذا يقتضي كونه عابثا ، كما نقوله في باب الإباحة ، فبعيد ؛ لأنا أوجبنا ذلك في الإباحة لمّا صح الانتفاع بالمباح من كلا / الوجهين ، فلو منع تعالى من الانتفاع به على أحد الوجهين لكان ذلك عبثا من أحد الوجهين ، فأمّا إذا لم يجعله تعالى إلّا على وجه واحد مما يصحّ أن ينتفع عليه فغير واجب ذلك فيه ؛ لأن العبث يختصّ المثبت دون المنتفى من الأفعال ، وجهات الأفعال . ولذلك قلنا : إنه تعالى وإن لم يخلق الأجسام في الجنة ليعتبر بها فلا يجب كونه عابثا ؛ لأن ذلك ممتنع مع زوال التكليف . وأمّا قوله : يجب كونه تعالى محابيا فقد بيّنا أن المذهب لا يصحّ أن يفسد بالعبارات ، وبيّنا أن من شاء منا أن يصفه بالمحاباة إن أراد بذلك أنه لم يفعل ما لو فعله كان متفضلا فذلك مما نعترف به ، وإن أراد أنه لم يسوّ بين سائر من تفضل عليه في وجوه المنافع فذلك أيضا مما نقول به . وإنما نمنع من وصفه تعالى بالمحاباة ؛ لأنه يفيد في اللغة الإفضال على جهة المقابلة والمكافأة ، وذلك لا يجوز عليه تعالى . وكل ذلك مسقط ما سأل عنه ، ونلزم هذا السائل أن يجعل تعالى ما لا يتمّ كون الحي حيّا إلّا به : من عظم ودم وروح وغيرها حيّا ، وجعله تعالى ذلك حيّا ينقض القول بأنه يخلق الحىّ أصلا . ومتى قالوا : لا يجب ذلك ؛ لأن ما لا يتمّ كونه حيا إلّا به من الجمادات لمّا أخرج الحىّ من كونه حيّا لم يجب أن يجعله حيّا ، وليس كذلك حال غيره ، لزمهم ألّا يكون تعالى بأن يجعل « 1 » الحىّ حيّا دون دمه ونفسه بأولى من أن يجعلهما حيّين دون الحىّ ، لأنه كما يصح « 2 » أن
هامش
( 1 ) في الأصل : « يخلق يجعل » ويظهر أن الكاتب كتب يخلق ، وبان له أن العبارة هي ( جعل ) فكتبها ونسي أن يضرب على ( خلق ) . ( 2 ) في الأصل : « لا يصح » .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 155 | القاضي عبد الجبار الهمذاني