وهذا فاسد ، وذلك لأنه لا يجوز أن يبنى تعالى المكلف بنية لا يصحّ معها منه القبيح ؛ لأن البنى لا تختلف ، ولو اختلفت لم تؤثّر في هذا الباب ؛ لأن أبنية الحيوان مفترقة ، ولا يؤثّر اختلافها في أن القادر منها على الحسن يقدر على القبيح ؛ من حيث ثبت أن القدرة لجنسها يجب ذلك فيها ، فكيف يصحّ أن يقال : إنه تعالى يبنيه بنية لا يصح أن يفعل « 1 » القبيح ، وحال القدرة والبنية ما قدّمناه . ومتى صيّره بحيث لا يمكنه فعل القبيح بألّا يقدره ، أو بأن يمنعه من فعل القبيح خرج من أن يكون مكلّفا أصلا .
وما تقوّله الجهّال في الملائكة من أنه تعالى بناهم بنية يضطرّون معها إلى الطاعة ، وإلى مفارقة القبيح ، وأن غير ذلك لا يصح منهم فساقط / ؛ لأن هذه الصفة كالمضادّة للتكليف . فإذا ثبت كون الملائكة مكلّفين فلا بدّ من أن تكون ممكّنة من الحسن والقبيح ، فلذلك قلنا : إنه تعالى لا بدّ من أن يخلق فيها الشهوة للقبيح والحسن ، وإلا لم يحسن تكليفها . وسنشبع القول في ذلك من بعد .
فأمّا حسن التكليف مع أنه تعالى يصح أن يجعله بحيث لا يؤثر القبيح بأن يلجئه أو يغنيه بالحسن عن القبيح ، فلا مطعن « 2 » فيه ؛ لأنه إنما يصح أن يكون تعريضا للثواب العظيم متى فقد هذان الأمران ، فأما مع حصول أحدهما فذلك متعذّر .
وقد بينا أن التعريض للنفع العظيم يحسن ، وفي ذلك إسقاط ما سأل عنه .
سؤال
قالوا : إذا كان التكليف لا يتمّ إلّا بأن يريد تعالى الإثابة قبل وقتها ووجودها ، وقد بينا أن العزم لا يصحّ عليه ، فيجب القول بقبح التكليف الّذي لا يتمّ إلّا به .
هامش
( 1 ) أي يفعل معها .
( 2 ) كأنه يريد أن الجواب عنه سهل ، فكأنه لا مطعن فيه .