استحالة الانتفاع عليه ، ويجب كونه مقتصرا في بعض من خلقه على التفضّل ، مع جواز أن يكلّفه ، وهذا يوجب كونه عابثا بأن لم يجعله على كل صفة ينتفع عليها ، وينقض ذلك ما تعتمدونه في الإباحة ؛ من أنه تعالى لا يجوز أن يمنع من الانتفاع بالمأكول ويقتصر به على الاعتبار فقط .
وهذا فاسد ، لأنا قد دللنا على أنه تعالى قادر على ما لا نهاية له من الإحسان وأعدادها فالصحيح أنه تعالى قادر على أن يجعل كل جماد مكلّفا ، ويخلق من الأجسام ما لا حصر له ، ويجعلها / بصفة المكلّف ، لكن ذلك غير واجب عليه ، لأنه متفضّل بالتكليف ، وابتداء الخلق للمنافع ، فله أن يفعل ما يتفضّل به ، وله ألّا يفعله : وإنما لا يجوز أن يخلق الأحياء ويكلّفهم ، ولا يخلق كثيرا من الجمادات كرما لا يتمّ كون الحىّ حيّا إلّا معه . فأمّا ما عدا ذلك فغير ممتنع أن يجعله حيّا وبصفة المكلف ، وإن لم يجب ذلك على ما قدّمناه .
وكما يحسن منه أن يخلق بعض الأحياء دون بعض ، ويجعل بعض الأجسام حيّة دون بعض من حيث لم يتقدم ما يوجب عليه خلق الكلّ ، فغير ممتنع أن يجعل بعضهم مكلّفا دون بعض ، ولا يوجب ذلك كونه بخيلا ، لأن هذه الصفة تفيد الإخلال بالواجب ، وقد بينّا أن التكليف غير واجب عليه .
ومتى أراد الملزم لنا كونه بخيلا كونه مكلّفا لبعض الأحياء مع صحّة كونه مكلّفا له فقط فنحن مجيبون له إلى ما طلب ، وإن أبينا وصفه بالبخل من حيث يفيد في اللغة كونه مخلّا بالواجب تعالى اللّه عن ذلك .
وقد بينّا أن وصفه بأنه ضنين لا يجوز أصلا ؛ لاستحالة المنافع عليه ، وبينّا أن الجود غير واجب على القادر عليه ، فلا يمتنع ألّا يفعل تعالى ما لو فعله لكان جودا وفضلا
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 154
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٥٤