فإن قال : إنما طعنت بذلك من حيث تدعو الشهوة إلى القبيح ، فكان التكليف لا يتمّ إلا بأن يبعثه تعالى على القبيح ، أو يغريه بفعله ؛ من حيث شهّاه إليه ، ومكّنه من فعله ، فيجب القضاء بقبحه .
قيل له : إنه تعالى إذا عرّفه ما عليه في الإقدام على القبيح من الضرر العظيم ، ونهاه عن فعله ، ورغّبه في تركه ، وألزمه إيّاه ، خرج من أن يكون باعثا عليه ، ومغريا به ، وإنما يصلح أن يسأل عن ذلك في شهوة من ليس بمكلف ، فأمّا شهوة المكلف فيبعد القدح بذلك فيه ؛ لأنه قد علم أن الواحد منا إذا أعطى غيره الآلة التي تصلح للمنفعة والمضرّة ، وعرّفه المضرة ، ونهاه عن فعلها ، وتوعّده عليها بالعقاب ، لم يعتدّ مغريا ، ولا باعثا على فعله .
فإن قال : فما قولكم في شهوة من ليس بمكلّف ؟ قيل له : إنها تحسن متى كان المعلوم أنه لا يخطر بباله / القبيح ولا يقدم عليه ، ومتى أغناه بالحسن عن القبيح ، ومتى ألجأه ألّا يتناول القبيح ؛ لأنها في هذه الوجوه تصير كأنها غير متعلّقة به . فأمّا إذا لم تكن الحال هذه فإنما يخلقها تعالى فيمن ليس بمكلّف لمصلحة المكلّف ؛ لأنه إذا تعبده بمنعها عن القبيح كان إلى أن يمتنع منه أقرب فيحسن لذلك ، وإن كان البعث على الفعل والإغراء إنما يصحان فيمن يعلم العواقب وما شاكلها ، وأما البهائم وغيرها فذلك ممتنع .
سؤال
قالوا : إذا صحّ منه تعالى أن يبنى المكلف بنية معها لا يفعل القبيح ، أو لا يصحّ منه ، أو يجعله ممن لا تدعوه الدواعي إلى فعله ، فيجب أن يقبح منه أن يصيّره بالصفة التي تدعوه الدواعي إلى إيجاد القبيح . فإذا لم يتمّ التكليف إلّا بهذا الوجه وجب القول بقبحه .