في ذلك من بعد . فأمّا الوالد فإنه لا يمتنع أن يعدل بابنه عن منفعة مبتدأة إلى أن يعرّضه لمنافع عظيمة مع الشك في الوصول إليها ، وذلك مما يستحبّه العقلاء دائما في أنفسهم وأولادهم ، فبأن يجعل ذلك دلالة على ما نقوله أولى من أن يعترض به على قولنا .
سؤال
قالوا : إذا ثبت قبح تكليف الواحد منا غيره الأفعال من غير أجرة معجّلة ، وثبت أيضا أنه يقبح أن يكلف على وجه الجبر ، وعلى وجه يعلم أنه يلحقه المضرة بألا يفعل ما كلّفناه ، أو بأن نضر به نحن ، فيجب أن يقبح ذلك منه تعالى . ومتى لم تلحقوا الغائب بالشاهد أبطلتم الأصل المعتمد في إبطال قول المجبرة في أن ما يقبح منا لا يقبح مثله من اللّه تعالى .
وهذا غلط ؛ لأن التكليف إنما يحسن متى كان للفعل صفة الواجب والندب ليصحّ أن يستحقّ به الثواب . ولذلك لا يحسن منه تعالى أن يكلّف زيدا القيام والقعود ؛ كما يكلف ردّ الوديعة والإنصاف وشكر المنعم ، متى لم يكن فيهما مصلحة / ولذلك اختلفت الشرائع بحسب المصالح . فإذا ثبت ما قلناه وكان الواحد منا إذا كلف غيره فإنما يكلفه ما لا يختصّ بهذه الصفة ، ويجب أن يقبح تكليفه إيّاه كقبحه من القديم تعالى .
فأما إذا كلّفه بناء دار لأجرة معجلة فإنه يحسن ؛ لما لهما فيه من المنفعة ، وإن كان يجب أن يعتبر فيه الرضا ، أو ما يقوم مقامه . فلذلك حسن ، وأن تحسن التجارة وغيرها .
والّذي يجب أن يجعل أصلا للتكليف ما ثبت أنه يحسن من أحدنا تنبيه الغير على الواجبات من ردّ الوديعة ، وشكر النعمة ، وتخويفه من ترك النظر في معرفة اللّه أوّلا ؛