لأن هذه الأمور تقتضى تعريفه ما يلزمه في عقله . وهكذا تكليف اللّه تعالى ؛ لأنه إنما يكلّف بأن يعرّف المكلف بعقله أو ينصب الأدلّة على وجوب الواجبات عليه ، إلى ما شاكلها . وذلك يبيّن أنا قد سوّينا بين الغائب والشاهد فيما يحسن ويقبح من التكليف .
وفارق قولنا في ذلك ما يقوله المجبرة ؛ لأنها حكمت بحسن الشيء منه تعالى وبقبح مثله منا ، وإن وقعا على الوجه الّذي يقتضي قبحهما . وقد بينّا فساد قولهم في ذلك .
سؤال
قالوا : إذا لم يحسن التكليف إلّا للتمكين وخلق الشهوة ، وكانت قدرة الطاعة هي القدرة على المعصية ، وشهوة الحسن هي شهوة القبيح ، وتعلّقهما بالقبيح يوجب قبحهما ، فيجب قبح التكليف الّذي لا يتمّ إلّا بهما .
وهذا فاسد ؛ لأن القدرة تحسن وإن تعلقت بالقبيح والحسن ، وكذلك الشهوة ، كما يحسن من الواحد منا التمكين بالآلة على / وجه يحسن ، وإن صلحت الآلة للقبيح والحسن .
وقد بينّا من قبل أن الشهوة حسنة ، وإن تعلقت بالقبيح ، وأنها مفارقة في هذا الباب للإرادة فلا وجه لإعادته .
هذا ، على أن هذا القول يوجب قبح المبتدأ بالشهوة والتمكين ، لأنهما لحسنهما يتعلّقان على هذا الوجه ، كلّف القادر المشتهى أم لم يكلف ؛ لأن البهائم هي قادرة مشتهية كالمكلّف . والقدرة « 1 » والشهوة يجب فيهما ما ذكره لجنسهما ، ولا يختلف حكمهما فيه لاختلاف أحوال من اختصّا به . وقد دللنا على ذلك من حالهما وفي ذلك سقوط ما قاله .
هامش
( 1 ) في الأصل : « القدر » وقد يصح على أنه جمع القدرة ، والأولى ما أثبت .