تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
فكيف يحسن أن يعدل به عن النعيم المقطوع به الّذي لا يقتضي غررا إلى ما يتضمّن ذلك ! أوليس الواحد منا إذا أمكنه أن ينعم على ولده بما لا يتضمن الغرر ، ويعلم وصوله إليه ، قبح أن يعدل به عن ذلك إلى غيره مما يتضمن الغرر ، ويكون وصوله إليه على وجل ! فهلا حكمتم بمثله في التكليف . وهذا غلط ؛ لأن النفع المتيقّن قد يترك في الشاهد لنفع مشكوك فيه إذا كان أعظم منه . وقد يعدل الواحد عن الراحة إلى المشقّة ، يطلب بها منافع هو من الوصول إليها على وجل . ولولا صحّة ما بينّاه لم يحسن من الإنسان التجارات والعلاجات وما شاكلهما . فإذا صح ذلك فما الّذي ينكر أن يحسن بمن يعرّض غيره لمنفعة أن يعدل به من نفع يسير إلى نفع عظيم يصل إليه بمشقّة ، مع علمنا بحسن اختيار ذلك من العقلاء في الشاهد . وكون المنفعة مشكوكا في حصولها لا يؤثّر ، كما لا يؤثّر في حسن تعرض العاقل لها بالأمور الشاقّة ، والعدول عن الراحة إليها . فكذلك لا يؤثّر في حسن اختياره تعالى ذلك للمكلف . وبعد ، فإن التعريض للنفع قد يحسن إذا علم المعرّض الوصول إليه قطعا ، وإن شكّ المعرّض في ذلك . بل قد يحسن ذلك بمن لا عقل له ، فلا معتبر إذا بشكّه إذا كان المعرّض عالما . ولذلك يحسن من الوالد أن يعرّض ولده الصغير للمنافع ، وإن لم يكن بحيث يعلم وصوله / إلى ذلك . وإذا لم يكن بفعل المكلف اعتبار فيجب أن يحسن التكليف ، وإن كان المكلّف على خطر من وصوله إلى الثواب . هذا لو لم يكن في كونه شاكّا في ذلك لطف ، فأمّا إذا كان حصوله بهذه الصفة ممّا به يتكامل التكليف لأنه لو علم أنه يطيع ويبقى لكان كالإغراء بالمعاصي أو في حكم الإلجاء إلى الطاعة فيجب ألّا يحسن التكليف إلّا على هذا الوجه . على أن ذلك إن قدح فإنما يقدح في تكليف من يعلم أنه يكفر ، ونحن نبيّن القول
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 148 | القاضي عبد الجبار الهمذاني