على أنه قد ثبت في الشاهد أن إرشاد الضالّ ، والتنبيه على الواجب يحسن منا ، وإن علم من حال من أرشدناه ونبهناه أنه إذا ترك « 1 » ذلك أو أخلّ به يستحقّ الذّم الدائم ، فإذا لم يوجب ذلك قبح الإرشاد فكذلك لا يوجب ما قالوه قبح التكليف ؛ لأن دوام العقاب لو اقتضى قبح التكليف لكان دوام الذم يقتضي قبح الإرشاد والتنبيه على الإنصاف وغيره من الواجبات .
وإنما يقبح في الشاهد أن يعرّض الغير لمنفعة ، ويعلم مع ذلك أنه متى خالف يضرّ به ؛ لأن الضرر لا يستحق على ترك التعرض للمنافع إذا لم يكن التعرض لها واجبا ، ولذلك لم يفترق الحال بين يسير الضرر وكثيره ، فلا يصحّ أن يجعل ذلك أصلا للتكليف ؛ لان ترك ما كلّفه الإنسان قد يكون قبيحا ، وقد يكون المكلف بألا يفعله مخلا بالواجب ؛ ومن حق هذين الوجهين أن يستحق بهما المضارّ كما يستحق بهما الذمّ .
على أن هذا لو قدح في حسن التكليف ، لكان إنما يقدح في حسن تكليف من يعلم أنه يعصى ويكفر ؛ لأن الممتثل لما كلّف لا يستحق العقاب والمعلوم من حاله أنه يصل إلى ما عرض له .
وقصدنا في هذا الموضع بيان أصل وجه الحكمة في أصل التكليف . فإذا زال القدح بما قاله فيه فسنبين من بعد الجواب عن ذلك عند الكلام في تكليف من يعلم أنه يكفر .
سؤال
قالوا : إذا كان تعالى قادرا على الإنعام / بالتفضل الدائم من دون أن يكلف .
وكان التكليف يتضمن الخطر والضرر ؛ لأنه كما يجوز للمكلف « 2 » أن يصل إلى الثواب باختيار ما كلّف ، فقد يجوز أن يعصى ويكفر لبعض الأسباب ، فيستحقّ العقاب الدائم ،
هامش
( 1 ) في الأصل : « فعل ترك » وظاهر أن ( فعل ) سبق قلم من الناسخ .
( 2 ) في الأصل : « المكلف » .