تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥

/ سؤال

قالوا : لو حسن منه تعالى التكليف ، لوجب أن يستحقّ المكلّف العقاب إذا عصى ؛ كما يستحقّ الثواب إذا أطاع ، ولو كان كذلك لوجب أن يكون تعالى معاقبا له بأنه لم ينفع نفسه ، من حيث علم أنه إنما يكلف المكلف لينفعه فلو عاقبه إذا لم يطع صار كأنه قال له : انفع نفسك بالطاعة وإذا أنت لم تنتفع بذلك عاقبتك عقابا دائما ، وهذا قبيح في الشاهد ؛ لأن من عرّضناه لمنفعة لا يحسن منا أن نضرّ به إذا لم يتعرض لتلك المنفعة . وهذا غلط ؛ لأن العقاب لا يستحقّه المكلف بألا يتعرض للمنفعة ، وإنما يستحقه لأنه يفعل القبيح أو يخلّ بالواجب ، وقد ثبت أن الذّم يستحق في الشاهد على هذين الوجهين ، وإن أضرّ ذلك بالمذموم ، لا لأنه لم ينفع نفسه ، لكن لإقدامه على القبيح . فكذلك القول في العقاب ؛ لأنه إنما يستحقه المكلف من حيث فعل قبيحا ، أو لم يفعل الواجب في عقله . وقد ثبت في الشاهد أن من ردّ العطية والهبة لا يستحق الذّم وإن لم ينفع نفسه ، ومن فعل قبيحا يستحق الذّم وإن انتفع به عاجلا . وذلك يبيّن أنه لا معتبر في استحقاقه بألّا ينفع نفسه في الشاهد ، وأنه إنما يستحق من الوجه الّذي بينّاه . فكذلك القول في القديم تعالى : أنه يحسن أن يعاقب المكلف ، لا لأنه لم ينفع نفسه ، لكن لإقدامه على القبيح وإخلاله بالواجب . وقد ثبت أن الواحد منا يحسن منه تقديم الطعام إلى الجائع لينفعه به ، وإن كان متى ترك أن ينتفع به وأدّاه هذا الترك إلى مضرة عظيمة فقد لحقه مضرة ، واستحق مع ذلك الذّم ، ولا يوجب ذلك أن يكون سبب المضرة والذّم أنه لم / ينفع نفسه ، بل سببهما أنه أقدم على القبيح بهذا الترك ، واستحق من العقلاء الذّم . فكذلك القول فيما قدمناه :
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 145 | القاضي عبد الجبار الهمذاني