تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
يقتضي ثبوته إلزام الأمور الشاقّة من غير رضا ، وهذا قبيح كما ذكرناه . وهذا باطل ؛ لأنه قد يحسن من الواحد منا أن يفعل بالغير ما يلزمه عنده الفعل ، وإن لم يرض بذلك ، نحو ما ينبّهه على ردّ ما يلزمه من الوديعة ، وقضاء ما يلزمه من الدين لمّا كان ما ينبّهه عليه إنما يجب عليه لمنافعه ، لا لمنافع المنبّه ، فلذلك يحسن من القديم تعالى أن يوجب في العقل الأفعال لمنافع العبد ، بأن يعرّفه حال هذه الأفعال واختصاصها بالصفات التي يلزمه فعلها . فإذا صح ذلك لم يعتدّ فيه برضاه . وفارق حاله حال ما يلزم غيره بأمر الأفعال الشاقّة لمنافعنا ؛ لأن ذلك يجرى مجرى المعوّضات التي يجب أن يعتبر فيها التراضي . وليس لأحد أن يقول : إنما يحسن من أحدنا تنبيه الغير على الواجب ؛ لأنه لا يكون موجبا عليه الفعل بهذا التنبيه ، من حيث يعرف بعقله وجوب ذلك عليه عند التنبيه ، فيعود الحال فيه إلى أن الموجب لذلك عليه هو فعل الفاعل ؛ وليس كذلك حال القديم تعالى لو كلف ؛ لأنه يكون هو الموجب دون غيره . وذلك لأن القديم تعالى يعرّف حال الواجب ، إمّا باضطرار ، وإما بنصب الأدلّة . ولمكان التعريف يجب على المكلّف ؛ لأن الواجب يجب بإيجاب موجب / يفعل إيجابه ، أو يفعل علّة تقتضى وجوبه . فالمنبّه أيضا إنما يفعل ما عنده يجب الواجب ، لا أنه يوجبه عليه في الحقيقة ، وإنما يجعل الإيجاب متعلقا بالتنبيه دون الفعل من حيث تقدم الفعل ولا إيجاب ، ومتى حصل التنبيه تبعه الإيجاب ، فالحال فيهما إذا لا يختلف . ولذلك قلنا : إن سائر ما يوجبه القديم تعالى إنما يضاف إيجابه إليه من حيث يعرّف المكلف صفة الواجب ، فيكون لازما أو من حيث يدلّه على ذلك .