ذلك فلا وجه لهذه الإرادة ؛ لأنها بمنزلة تكليف ما لا يطاق في القبح . فلذلك قلنا : إنه تعالى وإن خلق الأجسام وغيرها في الآخرة ، فإنه لا يحسن منه أن يريد الانتفاع بها من جهة الاعتبار والاستدلال ؛ لأن ذلك متعذّر في الآخرة ، لحصول العلم الضرورىّ لهم ، وإن كان في دار الدنيا لمّا كان الانتفاع يصحّ بالجسم من الوجهين ، / حسن أن يريده تعالى على كلا الوجهين .
يبيّن ذلك أنه إذا لم يصحّ أن ينتفع من الوجهين جميعا ، صار القديم تعالى غير فاعل له على أحد الوجهين ، فيصير بمنزلة ما لم يخلقه من الأفعال ، فإذا كان ما هذا حاله لا ينسب فيه إلى العبث ، فكذلك ما خلقه ولم يصحّ أن ينتفع به من وجهين . فأمّا إذا صح أن ينتفع من كلا الوجهين فلو لم يرد أن ينفعه منهما لكان بمنزلة أن يفعل فعلا ولا غرض في فعله ، في كونه عابثا ، تعالى اللّه عن ذلك .
فإن قيل : فيجب على هذا أن يحسن منه أن يخلق تعالى جميع الأحياء لينفعهم بالتفضل فقط ، ولا يجعلهم بصفة المكلّف .
قيل له : إن ذلك جائز عندنا ؛ لأنه يحسن منه تعالى أن يبتدئ الخلق في الجنة ، وأن يخلقهم بصفة البهائم ، أو بصفة العقلاء الذين لا يحسن تكليفهم للإلجاء ، وما يجرى مجراه .
فإن قيل : فيجب أن يحسن منه تعالى الإهمال والإمراج « 1 » ، وألا يظهر نعمه بالشكر اللازم للمنعم عليه ، وهذا ممّا لا يحسن من الحكيم .
قيل له : إنا سنبيّن أن الإمراج والإهمال إنما يقبحان ؛ لأن المهمل قد صار بالصفة التي يجب أن يكلّف ، فمتى لم يكلف والحال هذه كان ممرجا مهملا ، وليس كذلك
هامش
( 1 ) أي الإهمال ، من قولهم : أمرج الدابة : تركها تذهب حيث شاءت .