[ في التكليف ]
الكلام في وجه الحكمة في التكليف وما يتّصل بذلك
اعلم أن وجه الحكمة في خلق المكلّف أنه تعالى خلقه لينفعه بالتفضّل ، وليعرّضه للثواب ، وإن كان المعلوم أن إيلامه مصلحة له أو لغيره فلا بدّ من أن يخلقه لينفعه بالأعواض فيكون نافعا من الوجوه الثلاثة ؛ وإن كان تعريضه للعوض تابعا لتكليفه أو تكليف غيره ، فلا يستقلّ بنفسه ؛ كاستقلال الوجهين الآخرين .
وقد دللنا من قبل على أنه يحسن منه أن يخلقه لينفعه تفضّلا ، فلا وجه لإعادته ، وسنذكر وجه الحكمة في الآلام من بعد .
وقد ثبت أن الواحد منّا يحسن منه أن يعرّض غيره للمراتب العالية ؛ بأن يمكّنه ممّا يصل به إليه فذلك « 1 » في بابه بمنزلة إيصال نفس المنفعة إليه ؛ بل ربما يكون أعظم في النعمة . وثبت أن الثواب مستحقّ على وجه التعظيم والتبجيل ، ولا يحسن فعله إلّا بأن يكون مستحقّا ، فإذا أراد تعالى وصول المكلّف إلى هذه المنزلة حسن منه أن يعرّضه / لما به يصل إليها ، وليس ذلك « 2 » إلّا بالتكليف .
وليس لأحد أن يقول : إذا لم يكن للثواب أصل في الشاهد من جنسه ، فمن أين أن هاهنا ثوابا مستحقا « 3 » على الأعمال ؛ وذلك لأن المدح والتعظيم قد ثبت استحقاقهما في الشاهد على فعل الواجب والإحسان ، فغير ممتنع أن يتوصّل بهما إلى معرفة صفة الثواب . فأمّا أصل الثواب فإنما نعلمه بأنه قد ثبت كونه تعالى حكيما ، ولا يجوز مع
هامش
( 1 ) في الأصل : « في ذلك » .
( 2 ) في الأصل : « كذلك » .
( 3 ) في الأصل : « استحقا » .