ذلك أن يلزم المكلف الشاقّ إلا لينفعه بنفع لا يحسن الابتداء به ، وإلا كان الإلزام عبثا ، والّذي لا يحسن الابتداء به لا بدّ من أن يكون مستحقّا . ولا يجوز أن يكون هو المدح فقط ؛ لأنه لا يحسن إلزام الشاقّ لأجله ، فيجب أن يكون منفعة ، ويجب كونها دائمة خالصة من الشوائب ؛ على ما نبيّنه في باب الوعيد . فإذا ثبت ذلك صحّ أن يثبت الثواب . ولا يجب أن يثبت الشيء إلّا بعد أن يكون له نظير في الشاهد . فأمّا إذا كان طريق إثباته خلاف هذا فغير ممتنع أن يثبت بدليله ، وإن لم يثبت له في الشاهد نظير .
ومتى صحّ استحقاق النعيم الدائم بالعبادة ، حسن منه تعالى أن يلزمها المكلّف ، معرّضا له بها لهذه المنزلة .
فإن قيل : خبّرونا : أتقولون : إنه تعالى يخلق المكلّف في الابتداء لينفعه بالتكليف ، أو يجعله بالصفة التي يكلف معها ، لينفعه بالتكليف ، فإن قلتم : إنه يخلقه لينفعه بما يصل بالتكليف إليه فقد علمتم أن خلقه إيّاه إذا لم يصحّ أن يتعرض للثواب متى لم يجعله بصفة المكلف فإرادته عند خلقه أن يصل إلى الثواب لا وجه له . ولو جاز / أن يريد بخلقه التعريض للثواب ، وإن لم يجعله بصفة المكلف ، لجاز أن يريد أن ينفعه بخلقه إياه على صفة المكلف دون خلقه إياه حيا ، وإن لم يجعله حيا . وإن قلتم : إنه إنما يريد بتعرضه للثواب أن ينفعه على هذا الوجه بجعله إياه على صفة المكلف دون خلقه إياه حيا فلا وجه لما قدمتموه وذكره الشيوخ في الكتب من أنه تعالى يخلق المكلف ويخترعه لينفعه من الوجوه الثلاثة .
قيل له : إنه تعالى إذا علم أنه سيكلّفه من بعد فإنه يخلقه لينفعه تفضّلا وعلى جهة التكليف ، وإن كان متى جعله بصفة المكلّف فلا بدّ من أن يريد منه فعل ما يصل به إلى الثواب ، وتكون هذه الإرادة الثانية منه بنفسها تكليفا ؛ لأنها تقوم مقام الأمر والإلزام ، مع تقدم كون المكلّف عاقلا ممكّنا ، والإرادة الأوّلة هي إرادة لأن ينفعه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 135
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٥