تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
حال من يصر بصفة المكلّف ؛ لأن هذا الوجه لا يصح فيه . وسنشرح القول في ذلك من بعد . فإن قال : فيجب أن يحسن منه تعالى أن يخلق جميع الأحياء مكلّفين ؛ لما في ذلك من تعريضه إياهم للمنافع العظيمة . قيل له : قد كان ذلك جائزا حسنا لو فعله تعالى / وإنما يقبح ذلك إذا عرض فيه ما يقتضي كونه مفسدة . وأمّا مع زوال ذلك فهو حسن . فإن قال : أفيحسن منه تعالى أن يخلق جميع الأجسام بصفة المكلّف ، حتى لا يخلق مع المكلف شيئا من الجمادات ؟ قيل له : إذا لم يتعلّق تكليف المكلّف بالحاجة إلى الجماد البتّة ، وصحّ كونه مزاح العلّة في جميع الوجوه ، مع عدمه « 1 » ، فيجب أن يحسن ذلك ؛ لأن الدلالة قد دلّت على صحّة كونه ممكّنا بكل وجوه التمكّن عاقلا ، وإن لم يكن هناك ما يستقر عليه أو يبطله . فأمّا إذا جرى التكليف على ما نجده فلا بدّ من أجسام غير حيّة ليتمكّن معها من أداء العبادة أو بعضها . وليس لأحد أن يقول : أليس في جملة ما يشتهيه الحىّ ما لا بدّ من كونه جمادا ؛ نحو المأكول وغيره ، وذلك لأنه كان لا يمتنع أن يجعل تعالى شهوة جميع الأحياء في النظر والشمّ والسماع ، وكل ذلك مما لا يوجب ثبوت الجماد مع الحىّ ، لكنه لا بدّ من خلق ما لا يتمّ كونه حيّا إلّا معه ؛ كالنّفس الّذي موادّه الهواء . ومتى خلقت له حاسّة العين فلا بدّ من شعاع تتكامل به الحاسّة . ولا بدّ من دم وعظم وما شاكلهما . فأمّا أن يجب وجود الجمادات كالسماء والأرض وغيرهما فبعيد إلا إذا تعلّقت المصلحة بهما أو التكليف . فإن قيل : كيف يحسن منه تعالى أن يكلّف الحىّ مع علمه بأنه يعطب ، ويهلك ولا يقبل ما كلّفه ، ويسئ ، اختيار نفسه وينحس حظّها ، ويقدم على الكفر المؤدّى إلى العذاب الدائم ، ويقتطعه تعالى بذلك عن التفضّل عليه دائما .
هامش
( 1 ) أي عدم الجماد .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 138 | القاضي عبد الجبار الهمذاني