تتناوله أو تتناول انتفاع الغير به ؟ فإن تناولته لم يصر بها وجه دون وجه [ و ] « 1 » إن تناولت الانتفاع به وجب تعلّقها بالمباح ؛ لأن ما بينّاه قد أسقط التعلّق بذلك .
ولو ثبت أنه لا يصحّ أن يخلق الحي والجماد لينفعه وينفع به تفضّلا إلا بإرادة المباح لحسنت ، كما تحسن إرادة المباح من أهل الجنة إذا حصل فيها معنى ، وإنما منعنا من ذلك لصحة القول بأنه يخلقه لينفعه وينفع به من دون هذه الإرادة .
فإن قيل : ألستم تقولون : إن عقابه العصاة بمنزلة المباح منا في أنه لا صفة له زائدة على حسنه ، وقد حسن منه تعالى أن يريده ، فهلّا حسن منه إرادة سائر المباحات .
قيل له : إنا لا ننكر أن يريد سائر أفعاله ، حصل لها صفة زائدة على حسنه أم لم يحصل ؛ لأن من حق العالم بما يفعله أن يكون مريدا له إذا لم يكن فعله إرادة ، وقد دللنا على ذلك من قبل . وليس كذلك حال المباح من فعل غيره ؛ لأنه لا معنى لإرادته له على ما بينّاه ؛ لأنه إنما يريد فعل غيره على وجوه : إما على أنه مكلّف له ذلك الفعل / لينفعه بما يؤدّى إليه فعله من الثواب ، وإمّا أن تحسن إراداته الفعل منه « لأنها لطف » وهذا يحتاج إلى أن يثبت كونه لطفا بدلالة سمعية ، وإما لأن إرادته تقتضى زيادة سرور للمثاب ، على ما نقوله في إرادته من أهل الجنة أكلهم وشربهم . والمباح الواقع منا لا وجه في إرادته تعالى له ، فلذلك حكمنا بأنها تقبح ، وأنه تعالى لا يفعلها على وجه . وقد بيّنا أن الإرادة تابعة للمراد إذا كان من فعل المريد ، وأن ما دعا إليه يدعو إلى الإرادة ، وما صرف عنه صرف عن الإرادة ، وأنهما بمنزلة الشيء الواحد في هذا الباب ، فلا يجب أن نطلب للإرادة وجها تحسن له سوى تعلّقها بالمراد الحسن مع انتفاء وجوه القبح عنها .
فأما إرادته تعالى لفعل الغير فلا بدّ من أن يختص بوجه يحسن له ، منفصل مما له يحسن المراد ؛ لأن ما دعا الغير إلى فعله لا يدعوه تعالى إلى إرادته ، وذلك الوجه هو كونه
هامش
( 1 ) زيادة اقتضاها المقام .