حيث لا يتغير حاله بها أو لأجلها ، ولا مدخل له في التكليف ، فهو إذا بمنزلة فعل البهائم الّذي لا يحسن / منه تعالى أن يريده ، لأنه عبث لا فائدة فيه ويفارق ذلك ما نقوله من حسن إرادته تعالى لأكل أهل الجنة وشربهم ؛ لأن هذه الإرادة توجب تغير حال هذا المراد فيما يحصل عبده من لذة وسرور ، وليس كذلك حال المباح في دار الدنيا . فقد ثبت أن هذه الإرادة إنما قبحت مع كونها متعلّقة بالحسن لما ذكرناه .
وليس كذلك حال إرادته تعالى خلق الخلق لينفعهم ؛ لأن هذه الإرادة عارية من وجه القبح فيجب القضاء بحسنها .
فأمّا إرادته تعالى لأفعاله المبتدأة إذا تقدمت فإنما تقبح ؛ لأنه لا فائدة فيها ؛ من حيث يجب عند فعله أن يريده ، فوجود المتقدمة كعدمها ، وليس كذلك حال العزم منا ؛ لأن الواحد منّا متى أراد فعل المستقبل الّذي ينتفع به تعجّل بإرادته له متقدّما السرور ، ومتى كان فعله شاقّا وطنّ نفسه على فعله بالإرادة ، فكان إلى فعله أقرب ، فلذلك حسن منا تقديم الإرادة . وهذان الوجهان لا يصحّان على القديم سبحانه ، فيجب أن يقبح منه العزم على الأفعال .
وأما إرادته لما لا يطاق فإنما قبح ؛ لأن تكليف ما لا يطاق ، والإرادة له لا معنى فيها ، فتقبح ، على ما دللنا عليه من قبل .
وأما إرادة أحدنا العقاب لنفسه فإنما تقبح ؛ لأنها إرادة منه لنزول مضرّة به ، لا تؤدّى إلى منفعة ، فكما يحسن منه الامتناع من هذا الضرر إذا فعله به غيره ، وإن كان حسنا ، فيجب أن يقبح منا أن نريده وإن كان ملجأ إلى ألّا يريده ولا نفع / منه على كلّ حال .
فإن قيل : فيجب أن يحسن منه أن يكرهه وإن كان حسنا ؛ كما يحسن منه الامتناع منه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 129
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٢٩