قيل له : إن كراهة الحسن تقبح ؛ لأنها كراهة له ؛ كما أن إرادة القبيح تقبح ، لأنها إرادة له فلا يجوز القول بحسنها ؛ من حيث حسن منه الامتناع من العقاب ، فأما الإرادة وإن تعلقت بحسن فلا تقبح ، وهذا كقولنا : إن الكذب يقبح على كل حال ، وإن كان الصدق قد يقبح وقد يحسن .
فإن قيل : إنكم متى قلتم : يحسن منه تعالى أن يريد إحداث الخلق لينفعهم بالتكليف ، والتعويض ، فلا بدّ من القول بأن إرادته للأعواض والثواب تتقدّم ، وهذا ينقض قولكم : إن العزم يقبح منه تعالى .
قيل له : إنه يصح أن يعرّض بالتكليف للثواب ، وإن لم يرده متى أراد من المكلف فعل ما يتوصّل به إلى ذلك .
وعلى هذا الوجه يكون الواحد منا معرّضا لغيره للمرتبة العالية ، بأن يريد منه فعل ما يوصّله إليها ، وكذلك القول في الآلام : أنه يحسن منه تعالى فعلها متى أراد أن يفعلها ، على وجه التعويض واللطف ، فيكون مريدا لإحداثها على هذا الوجه ، وإن لم يرد نفس العوض في تلك الحال ، فقد بطل ما ظننت أنه يؤثّر فيما قدمناه من أن العوض يقبح من اللّه تعالى .
على أنه لو ثبت أن التكليف والآلام لا يحسنان إلّا لما ذكرته من الإرادة لحسنا لهذا المعنى ، وخرجت به من أن يكون عبثا ، فكان يبطل القدح بما ذكرته في كلامنا .
وما قدّمناه يبطل قول من قال : إذا كانت إرادته / تعالى لاختراع الحي والجمادات لا تنفع الغير ، ولا ينتفع ، ولا تحصل به مضرّة ، فيجب كونه عبثا ، كما لو خلق الجماد في الابتداء لقبح ؛ من حيث كان عبثا ؛ لأنا قد بينا أن فيها وجها من وجوه الحسن ، وإذا كان هذا حالها لم يجب أن يقبح ، وليس كذلك الجماد ، لأنه لا يقع في
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 130
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٠