لمنفعة مستحقة على وجه التعظيم بالتكليف ، والثالث أن يريد تعريضهم لمنفعة مستحقة على طريقة الأعواض ، فيجب أن يحسن إرادة خلقهم ؛ لأنها إرادة لخلقهم على هذه الوجوه التي ذكرناها . وكل إرادة تؤثّر في المراد ، ويصير لأجلها على حال يحسن لكونه عليها ، فيجب أن تكون حسنة ، وما اقتضى كون الفعل حكمة يوجب كون إرادة الحكمة حسنة ، إذا تعرّت من وجوه القبح . وقد بينا أن وجوه القبح معقولة ، فإذا ثبت انتفاؤها / أجمع عنها فيجب كونها حسنة .
فإن قيل : ألستم تقولون : إنه تعالى لو أراد المباحات لكانت الإرادة قبيحة ، وإن كان مرادها حسنا ، وكذلك لو أراد أفعاله المبتدأة قبل وجودها لكانت إرادتها قبيحة ، وإن كانت الأفعال حسنة ، وقلتم لو أراد سبحانه الإيمان من عاجز وسائر من لا يطيقه كانت الإرادة قبيحة وإن كان مرادها حسنا . وقلتم : لو حصل في إرادة المحسّنات منا مفسدة كانت قبيحة ولو كان مرادها حسنا وقد قال شيخكم أبو هاشم رحمه اللّه في إرادة الواحد منا عقاب نفسه : إن الأقرب فيها أن تكون قبيحة وإن كان مرادها حسنا ، وحكاه عن أبي على رحمه اللّه ، وقوّى هذا القول فيه ، وإن توقف فيه في بعض المواضع . وكل ذلك يبطل القول بأن حسن المراد يقتضي حسن إرادته .
قيل له : إن شرطنا في الكلام يبطل هذا السؤال ؛ لأن سائر ما سألت عنه يقتضي حسن إرادته متى لم يثبت فيه وجه من وجوه القبح ، وما سألت عنه يقتضي ثبوت وجه من وجوه القبح في الإرادة ، فلذلك قبحت . وقد قلنا : إنها تحسن إذا تعلّقت بحسن متى انتفى وجوه القبح عنها . وقلنا أيضا : إنها تحسن متى أثّرت في المراد ، وسائر ما سألت عنه لا يؤثّر في المراد الحسن ، وكلا الوجهين يزيل لزوم السؤال ونحن نبين القول فيه .
أمّا إرادة المباح من فعلنا فإنما قبح منه تعالى في دار التكليف ؛ لأنها عبث ؛ من
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 128
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٢٨