سؤال
فإن قيل : إنه تعالى لو كان حكيما متفضّلا بما خلقه في الابتداء ، وهو قادر على ما لا نهاية له من حسن ما خلق ، وجب أن يكون بما لم يفعله مما يقدر عليه بخيلا ضنينا مقصّرا محابيا لمن خلقه ، وهذا يوجب ألّا ينفكّ من صفات النقص ، فإذا لم يصحّ التخلّص من ذلك إلّا مع القول بأنه تعالى لا يخلق الخلق أصلا وجب القول بفساده .
قيل له : إنه تعالى متفضّل بما خلق ، جواد به ، ولا يجب إذا كان قادرا على ما لا يتناهى به أن يكون بخيلا ، لأن البخل هو منع الواجب / ، ولذلك يذمّ بالبخل ، وهو تعالى ممّن لا يجب عليه في الابتداء فعل شيء ، وإنما يلزمه ذلك بعد التكليف من حيث اقتضى التكليف وجوبه عليه ، ولا يجب كونه ضنينا ؛ لأن الضنين هو المستمسك بالشيء لمنفعة أو ما يجرى مجراها ، والقديم تعالى يستحيل ذلك عليه . ولا يجب وصفه بأنه مقصّر ، لأن ذلك يقتضي الذمّ من حيث يقتضي ترك الواجب . ولا يوصف بأنه محاب ؛ لأن المحاباة تفيد عطية يبتغى بها المكافأة ، وذلك لا يصحّ عليه تعالى .
وهذه الجملة تبطل ما سأل عنه .
فصل في الوجه الّذي له يحسن منه إرادة الخلق
قد بينّا أن إرادته لاختراع الخلق إنما حسنت ؛ لأنها إرادة لخلقهم لينفعهم ، أو إرادة لخلق ما ينفع به ، أو إرادة لخلق الشيء للأمرين جميعا . وبينّا أن فعله لما خلقه لينفعه قد يكون على وجوه ، أحدها أن يريد أن ينفعه تفضّلا ، والثاني أن يريد تعريضه