فهذا هو الّذي قاله شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه في أوّل الأبواب « 1 » . وقال في موضع آخر ما يدلّ على أن هذه الصفة تفيد كون الفاضل مستحقا للمدح فقط ، وأنه إنما لا يجرى على القديم لإيهام أو سمع ، وعلى الوجهين جميعا لا يجب من حيث فعل الفضل أن يسمّى فاضلا . فأمّا وصف الصالح بأنه صالح فإنما يفيد كونه على صفة ، ولا يفيد أنه فعل الصلاح ، ولذلك قد يوصف الجماد بأنه صالح ، كما يوصف الحىّ ، ويوصف بذلك بعض الإنسان ، كما يوصف به جملته ، ولذلك لو أحبط صلاحه لم يوصف بأنه صالح . وإنما يوصف الإنسان بأنه صالح في الدين متى استقامت طريقته فيه ، واستحقّ المدح والتعظيم ، وكل ذلك يوجب أنه تعالى لا يجب وصفه بأنه صالح من فعل الصلاح ، وإنما يجب أن يوصف بأنه مصلح لغيره بأن / فعل الصلاح به ، كما يوصف بأنه مفضل على غيره ومتفضّل عليه من فعل التفضّل .
فأمّا الشريف فإنما وصف بذلك في الأصل من علوّ المكان وارتفاعه ، وتوسّع بذلك في علوّ المرتبة بالنسب وغيره ، ولم يجر ذلك عليه اشتقاقا من فعل الشرف ؛ لأنه لو فعل ارتفاع غيره لم يوصف بهذه الصفة ، فلذلك لم يجب وصفه تعالى بأنه شريف ، وإن فعل الشرف الّذي يشرف به غيره .
فأمّا العزيز فإنما يوصف بذلك ؛ لأنه لا يلحقه ذلّة من منع ما يريده ولا قهر ، والقديم تعالى فيما لم يزل قادر لنفسه ، فلا يجوز أن يمنع من مراده ، ولا أن يلحقه اهتضام ، فلم يجب كونه عزيزا بالفعل ، وإن كان فعله قد يعزّ به غيره ؛ ولا يجب إذا لم يوصف بأنه فاضل وصالح أن يوصف بأنه منتقص وفاسد ، لأن هاتين الصفتين تفيدان ما لا يصحّ عليه من الأحوال ؛ وذلك يسقط جملة ما سأل عنه .
هامش
( 1 ) اسم كتاب لأبى هاشم الجبائي . وهو كبير وصغير ؛ كما في ابن النديم 247 .