قيل له : إن القديم تعالى فيما لم يزل يوصف بأنه حكيم عالم ، ونحيل كونه سفيها ، لا لأن ذلك يضاد كونه حكيما ؛ لأن السفيه إنما يكون سفيها بفعل بعض القبائح في تعارف المتكلمين ، وإن كان في اللغة يفيد كونه خفيفا . فلذلك أحلنا كونه تعالى سفيها ، لا لأنه يضاد كونه حكيما ، وذلك يبطل قولهم إنه إن لم يكن حكيما فيجب كونه سفيها ، لأنا قد أثبتناه حكيما وبينا استحالة السفه عليه ، وكونه عالما لا يمنع من كونه حكيما بمعنى فعل الحكمة ، لأن إحدى الصفتين تفيد خلاف ما تفيده الأخرى ، وإذا صح ذلك لم يمنع ثبوت أحدهما من تقدم الأخرى ، فلذلك أثبتناه حكيما على أحد الوجهين عند فعل الحكمة والحسن ، ولا يوجب ذلك كونه سفيها من قبل لما بيناه في حقيقة السفه ، وإن كان حكيما لم يزل بمعنى كونه عالما .
سؤال
فإن قيل : خبّرونا عن اختراعه تعالى للخلق أتقولون : إنه فضل وتفضّل وصلاح ، أم لا ؟ فإن أثبتم ذلك لزمكم أن يكون تعالى بفعله ذلك فاضلا وصالحا ، فإن جاز أن يفضل ويصلح بما يخلقه جاز أن يشرف به ويعزّ به كالواحد منا ، وإلّا فإن جاز أن يفعل ما ذكرناه ولا يكون به صالحا فاضلا ، ويفارق حاله حالنا ليجوزنّ ما قالته المجبرة / من أنه يخلق الخلق لا لمعنى ولا يكون عابثا ، ويفارق حاله حالنا .
قيل له : إنه تعالى لا بدّ من أن يكون متفضّلا منعما محسنا بما يخلقه ، ويكون فعله إحسانا ونعمة وفضلا وصلاحا ، ولا يمتنع كون فعله شرفا لغيره ؛ كما يكون فضلا على غيره ويكون عزّا لغيره ، ولا يجب أن يوصف بأنه فاضل ؛ لأن الفاضل لا يوصف بذلك اشتقاقا من فعل الفضل ؛ لأنه لو فعل الفضل ثم أحبطه لم يوصف بذلك ، والإحباط لا يزيل الأسماء المشتقة ، وإنما يوصف بذلك لاختصاصه بمزيّة يقتضيها فعله ، وذلك لا يتأتّى فيه تعالى ، فلذلك لا يوصف من فعله الفضل فاضلا كالواحد منّا .