إنه يفعل / الفعل لرحمته ؛ لأن الرحمة هي النعمة ، والراحم يوصف بذلك لأنه يفعل النعمة ، ولا يجوز أن يقال : فعل النعمة لأنه فعل النعمة ، لما فيه من الفساد . وكذلك فلا نقول : إنه سبحانه يخلق الخلق لحكمته إذا أريد بكونه حكيما أنه فعل الحكمة ؛ لأنه يؤدى إلى تعليل الشيء بنفسه فأمّا إن أريد بذلك أنه عالم فلا يمتنع من أنه تعالى يفعل الفعل المحكم لكونه عالما ، ولا يمتنع أن يقال : إنه يحسن منه الحسن لكونه عالما بصفته ، لأنه لو لم يكن كذلك كان لا يحسن إذا كان وجه حسنه يتعلّق بكونه عالما به على بعض الوجوه . كما لا يمتنع من القول بأنه لا يفعل القبائح لكونه عالما غنيّا .
فأمّا نظره لخلقه فالمراد بذلك إنعامه عليهم ، وتعريضه لهم للمانع ، وذلك لا يجوز أن يجعل علّة في كونه فاعلا ، لما قدمناه . وقد يوصف الفاعل بأنه ناظر لغيره ، ويعنى بذلك أنه عالم بأن ما فعله نظر له ، فعلى هذا الوجه لا يمتنع وصفه تعالى بأنه ناظر لخلقه بفعل الشهوة والحياة ، وأمّا بخلقهم فيبعد أن يقال ذلك ؛ لأن الّذي يكون ناظرا للخلق يجب كونه غير إلههم . وهذه الجملة تسقط ما سأل عنه .
فأمّا الكلام في أنه تعالى إذا فعل الفعل لحسنه فلا يجب أن يكون فاعلا له من قبل ، ولا فاعلا لما لا نهاية له . فقد قدمنا فيه ما يغنى ، فلذلك لم نعده الآن .
سؤال
فإن قيل : لو فعل تعالى الحكمة باختراع الأنام لم يخل من أن يصير حكيما بذلك ، فلو كان حكيما من قبل لم يصح كونه حكيما بخلقهم ، وما لا يكون فاعله حكيما به لا يكون حسنا ، وما لا يكون / حسنا من فعل العالم يجب كونه قبيحا ، وذلك ينقض كون فاعله حكيما ؛ وإن كان حكيما عند فعله له فيجب أن يكون سفيها من قبل ، لأن كل حي ليس بحكيم يجب كونه سفيها ، وكل ذلك يوجب فساد قولكم في هذا الباب .