لأن العبث لا يفيد إلّا كونه واقعا لا لغرض ولا لعلّة . فإذا أدّى القول بإثبات الصانع أو إثبات الاختراع إلى ما قدمناه فيجب القضاء بفساده .
قيل له : إنا قد بيّنا من قبل أنه لا بدّ من إثبات محدث للحوادث ، ولا بدّ من كونه قديما ، وبيّنا أنه لا يصحّ كونه فاعلا لعلّة موجبة ؛ لما فيه من وجوه الفساد التي قدّمناها / في الفصل المتقدم . وذلك أيضا يبطل ما يقوله بعض الجهّال من أن العالم فعل لفاعل ، فهو قديم ؛ لأن فاعله علّة في وجوده ؛ من حيث كان لا بدّ للجواد من جود ؛ لأن ذلك يحيل معنى الفعل ، وحقيقة الفاعل ، ويوجب ألّا يكون ما جعله فاعلا وعلة بأن يكون كذلك أولى من الفعل أن يكون علّة له . وقد دللنا من قبل على أن القديم قديم لنفسه ، وأن المشاركة في هذه الصفة توجب الاتّفاق في الذات ، حتى لا يصحّ في أحد القديمين أن يختصّ بصفة لذاته إلّا ويجب أن يشاركه الآخر فيها ؛ فإذا صحّ ذلك بطل ما قالوه .
وبمثله يبطل القول بأن الفاعل يفعل لطبعه ؛ لأن ذلك ينقض كون الفاعل فاعلا .
وقد بينّا فساد ذلك أيضا في باب التولّد ، ودللنا على أن الطبع لا حقيقة له ، وأنه بمنزلة لفظة الكسب التي يتعلق بها أصحاب المخلوق . وقد بينّا من قبل أنه تعالى لا يجب كونه عابثا باختراع الأحياء على الصفات التي قدمنا ذكرها ؛ لأن العابث هو من لا غرض له فيما يفعله ، فأمّا إذا فعل الفعل لغرض يقتضي حسنه فيجب خروجه من كونه عبثا ، وبينّا أنه تعالى يخلق الحىّ المشتهى لينفعه بالوجوه التي يصح أن ينتفع عليها ، ومن ليس بحىّ يخلقه لينفع به على الوجه الّذي يمكن فيه ، وذلك يخرج خلقه لهما من كونه عبثا .
ولسنا نقول : إنه تعالى يخترع الخلق لجوده ؛ لأن الجواد إنما يوصف بذلك لفعله الجود ، ولا يصح أن نقول : فعل الجود لأنه فعل الجود ، لما في ذلك من تعليل الشيء بنفسه ، على ما قلناه : من أنه لا يجوز أن يجعل وجود السواد علة في كونه أسود . ولا نقول أيضا :
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 123
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٢٣