وبعد ؛ فإذا صحّ بما بيّنته في باب التكليف أن التكليف لا يتمّ إلا بشهوة القبيح ، ونفور الطبع عن الواجب ، وثبت حسنه ، فيجب القضاء بحسنهما جميعا على كل حال ، ما لم يحصل فيهما وجه من وجوه القبح .
وقد وقف شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه فيمن أكمل عقله ، وشهّى إليه القبيح ، ولم يعرّضه للثواب ما الّذي يكون ضررا ؟ الشهوة أم المعرفة ، وذلك مما نبينه بعد إن شاء اللّه .
سؤال /
فإن قيل : إذا كان مع خلقه تعالى الحىّ المشتهى يصحّ وصول المضارّ إليه ؛ كما يصحّ انتفاعه ، فلم صار بأن يكون خلقة له نفعا أولى من أن يكون ضررا . أوليس لا يصحّ أن يظلم وينزل به المضارّ إلّا لأنه قد خلق حيّا ، وخلق فيه نفور الطبع . فيجب ألا يكون ذلك حكمة ممّن فعله .
قيل له : إن خلقه تعالى الشهوة مع التمكّن من المشتهى يجب كونه حسنا ؛ من حيث كان إحسانا ونعمة ، وإن « 1 » تمكن الغير من ظلمه عند ذلك . ويفارق ذلك ما يقوله : من أن الالتذاذ بالخبيص المسموم لا يوجب كونه نفعا ، ولا يخرج من كونه ضررا . وذلك لأن الضرر الّذي يقع عقب تناوله كالموجب بالعادة ؛ لأنه تعالى وإن ابتدأه فقد أجرى العادة بذلك على وجه لا يجوز أن ينقضها ؛ وما أدّى إلى الضرر العظيم يقبح ، وإن اختصّ بنفع يسير . وليس كذلك ما قد يحصل من الضرر بظلم الواحد منا غيره ؛ لأنه ليس بموجب عن خلقه إيّاه حيّا ، ولا هو واجب بالعادة ، فلا يجب أن يقاس على ما قدمناه .
فبطل طعنهم على حسن الاختراع بهذا الكلام .
هامش
( 1 ) سقط هذا الحرف في الأصل .