فإن قال : إذا قلتم إنه تعالى لو خلق في العاقل شهوة القبيح ، ولم يكلّفه الامتناع منه لكان مغريا بفعله ، ولقبح منه ذلك ، فقد أوجبتم بذلك كونها داعية إلى القبيح ، وهذا ينقض ما ذكرتموه الآن .
قيل له : إنا جعلناها سببا لكونه مغرى بالقبيح ؛ لأنه إذا كان عاقلا ، وعلم من نفسه كونها مشتهية ، دعاه ذلك إلى نيل المشتهى ، فإذا لم يخش من نيله العقاب والذمّ كان إلى فعله أقرب . وهذا موافق لما قلناه الآن .
فإن قال : إنه وإن وافقه ، وزال لما بيّنتموه النقض عن كلامكم ، فإن ما حكيته يبطل قولكم من وجه آخر ؛ لأن الشهوة إذا / كانت سببا للإغراء بالقبيح فيجب كونها قبيحة ، كما أن الإرادة لمّا صح بها الأمر بالقبيح كانت قبيحة .
قيل له : إنه إنما يكون إغراء بالقبيح على وجه دون وجه ، فمتى مكّن المشتهى من نيل الحسن ، وأغنى بذلك عن القبيح ، خرجت من أن تكون إغراء ، كما يخرج بالتكليف من هذه الصفة ، فيجب أن تكون حسنة إذا خلقها اللّه تعالى مع التمكين من المشتهى الحسن ، أو مع التكليف . وفي ذلك إبطال سؤاله . فأمّا لو أوجدها تعالى في عاقل مع فقد هذين الأمرين كان يجب كونها قبيحة ، لأنها إما أن تكون إغراء بالقبيح ، وإما أن تكون عبثا ، على ما نبيّنه من بعد . ولا تقبح في هذه الحال من حيث تعلّقت بالقبيح ، لأنه كان يجب قبحها وإن حصل معها الوجهان اللذان قدمناهما .
وكان شيخنا « 1 » أبو إسحاق رحمه اللّه يعتلّ في هذا الباب بأن الشهوة لا أصل لها في الشاهد يعتبر به حالها في حسن أو قبح ؛ كسائر الأجناس . فإذا صح ذلك وثبت أنه تعالى لا يفعل القبيح ، وثبت أنه خلقها مع تعلقها بالقبيح والحسن ، فيجب أن يعلم بذلك أن تعلّقها بالقبيح ليس بوجه لقبحها ، وإلّا لم يكن ليخلقها أصلا .
هامش
( 1 ) هو إبراهيم بن سيار النظام من رؤوس المعتزلة مات فيما بين سنتي 221 ، 231 ه . وهو شيخه في المذهب فإنه لم يلقه .