تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
أو نيل المأكول ؛ لأن ذلك قد يقع من العباد على وجه يقبح . فلو أنه تعالى خلق خلقا ، وجعل شهوته في الأمور الحسّية فقط ، لوجب كونه منعما ، ولزال الطعن بما ذكره . فإن قال : إنما قدحت بما أوردته في خلقه تعالى الخلق على الصفة التي نجدهم عليها في الشهوات . فتقديركم لما قدرتموه لا يؤثّر في كلامي . قيل له : إنا بينا بما قلناه أن الشهوة لا يجب أن تكون قبيحة على كل حال على ما قدرته ، فإن ما أوردته إذا سلّم لم يوجب قبح الاختراع على كل حال ، وإنما يوجب قبحا على حال دون حال . فأمّا إذا قصدت بالسؤال الطعن فيما وجدنا عليه أحوال الخلق من كونهم مشتهين القبيح ، فالذي يبطل ذلك أن تعلّق الشهوة بالقبيح لا يوجب قبحها ؛ كما لا يجب قبح العلم بالقبيح والظنّ له والخبر عنه . / فإن قيل : حمل الشهوة على الإرادة أولى لمشاركتها في كونها داعية إلى نيل المشتهى ، فكما تقبح الإرادة إذا تعلقت بالقبيح فكذلك الشهوة . قيل له : إن الإرادة لا تدعو إلى فعل القبيح ، وإنما يفعل للداعي الّذي له يفعل المراد ، لا أنها داعية في الحقيقة ؛ لأن من حق الداعي إلى الفعل أن يتقدّمه ، والإرادة تقارن « 1 » إذا كانت اختيارا وإيثارا . وقد شرحنا ذلك من قبل ، فلا يصحّ أن تحمل الشهوة على الإرادة . فهذه العلّة مع أنها مفقودة في الأصل موجودة في الفرع . هذا وهي غير موجودة في الفرع على كلّ حال ؛ لأن الشهوة متى خلت من أن يعلم المشتهى حالها وحال متعلّقها لم تكن داعية ، فالداعى إذا هو كون المشتهى عالما بأنه مشته للشئ ، وأنه يلتذّ به إذا تناوله ، أو كونه ظانّا ، دون نفس الشهوة ، وفي ذلك إبطال ما سأل عنه .
هامش
( 1 ) في الأصل : « تفارق » من غير نقط أي تفارق . والظاهر ما أثبتنا
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 119 | القاضي عبد الجبار الهمذاني