فإن قيل خبّرونا لو كان الكلام فيما يباح قتله من الغنم أتقولون إن / المذكّى له ظالم لصاحبه على كل حال ، أم تجعلونه ظالما إذا لم يكن عالما بأنه سيموت لا محالة ، فأما إذا علم ذلك بخبر اللّه سبحانه يكون فعله حسنا ، وهل تجرون « 1 » عليه الظن في هذا الوجه مجرى العلم . وما قولكم فيمن يعلم من حال زيد أنه يصلح في التكليف متى خرج ولده من أن يكون حيّا ، وأن بقاءه حيّا مفسدة له ، أتقولون : إنه يحسن منا مثل ولده والحال هذه أم لا ، فإن حكمتم بقبح قتله منّا فما الفرق بينه وبين ما فعله صاحب « 2 » موسى صلى اللّه عليهما بالغلام من القتل خشية أن يرهق والديه طغيانا وكفرا ؟ فإذا جاز أن يتعبّده تعالى بقتل غيره ؛ لما له في ذلك من المصلحة ، فهلّا جاز أن يقدم على قتله إذا علم أن لغيره فيه مصلحة أو في بقائه مفسدة ، أو لستم تقولون : إنا لو علمنا بالعقل من حال ما ثبت وجوبه سمعا ما عرفناه بالسمع لحسن ، فهلّا وجب القول بحسن قتل من المعلوم أنه يفسد هو عند تبقيته أو غيره .
قيل له . أمّا من ذبح شاة غيره وقد علم أنها لو لم تذبح في تلك الحال ماتت وبطل الانتفاع بها ، فإنه يحسن منه ذبحها إذا كان التعبد من اللّه تعالى على هذا الحدّ ، لأنه تعالى قد ندب إلى ذبح شاة غيره إذا خيف عليها الموت ؛ لما فيه من الإحسان إليه . فمتى علم ذلك من حالها كان ذبحها بأن يحسن أولى ، ويكون ذلك إحسانا منه إليه . وتجويزه إن لم يذبحها أن يذبحها غيره لا يخرجه من كونه / محسنا . ويصير بمنزلة من رد عليه بعض أملاكه ، أو أزال عنه بعض المضارّ النازلة به في أنه يحسن ذلك ؛ وإن كان لو لم يفعله لفعله غيره ، وغلبة الظن في هذا الباب كالعلم ؛ لأنه إذا خشي أن تموت هذه الشاة حسن منه أن يذكّيها ، وإن جوّز أن تبقى ويزول ما بها من المرض . هذا إذا كان حال صاحبها
هامش
( 1 ) في الأصل : « تجيزون » .
( 2 ) هذه إشارة إلى ما ورد في سورة الكهف في الآية 74 :
( حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ) وفي الآية 80 :
وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ) .