تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
ألّا يكون تعالى منعما عليه بهذه الشهوة الزائدة ، وبالتمكين من هذا المشتهى ، ولا فرق بينهما وبين ما تقدم . وذلك يبطل القول بأنه منعم على العبد . قيل له : إن هذه الشهوة الزائدة لا يمتنع أن ينال المشتهى عند وجودها ولا يتأذّى به . لأن هذا الضرب من التأذّى هو بالعادة ، ولذلك تختلف أحوال العباد فيه ، فمنهم من تلحقه التّخمة بقدر لا يؤثّر في غيره هذا التأثير ، وإذا صح ذلك لم يمتنع ألّا يفعل تعالى ذلك ، فتكون النعمة خالصة من الشوائب . فأمّا إذا كانت العادة هذه فإنه تعالى يمنع من نيل ذلك المشتهى ، فيكون كالتكليف المؤدّى إلى النفع أو لعوض عليه ، أو يفعل المصلحة على ما نبينه من بعد . وكل ذلك يبيّن فساد ما سأل عنه . فإن قيل : إنكم شرطتم في حسن فعله تعالى اختراع الخلق على الصفة التي ذكرتم أن يكون خلقه لينفعه ، وأن ينتفى عنه وجوه القبح ، فبيّنوا كلا الأمرين ليتمّ لكم ما ذكرتم . قيل له : إنا قد بينّا أنه تعالى لا يفعل القبيح ، وبينا أن ما يفعله لا بدّ من كونه حسنا ، وإذا ثبت أن خلقه للحىّ لا يحسن إلّا على هذا الوجه وجب القضاء به ، فلذلك قطعنا على أنه تعالى قد أراد بخلقه لهم أن ينفعهم ؛ لأنه لو لم يكن له في ذلك غرض لكان في حكم العبث ، وذلك يمنع من أن يريد اختراع الخلق وإحداثه فقط . فأمّا وجوه القبح فقد علمنا انتفاءها عنه ؛ من حيث ثبت أنه تعالى لا يفعل القبائح . ولأن وجوه / القبح معقولة ؛ وقد علمنا انتفاء جميعها عمّا خلقه . ولا يخلو بعد ذلك السائل فيما سأل عنه من أحد وجهين ، إما أن يدّعى ثبوت وجه من وجوه القبح قد علمنا انتفاءه عما خلق ، وسقوط ذلك ظاهر ، أو يدّعى ما الطريق إلى انتفائه عما خلق الاستدلال ، فالتوصل إلى نفيه عملية الدلالة المتقدمة على أنه لا يفعل القبيح . فأمّا إذا لزم على هذا الكلام ما ليس من وجوه القبح فوجه إسقاطه أن نبيّن أنه ليس من هذا القبيل أصلا .