فإن قيل : إنه تعالى إذا أنعم بما ذكرتموه من الاختراع وغيره ، فلا بدّ من كونه غير منعم عليه « 1 » ، بل هو أعظم مما فعله من النعم لو فعله ؛ لأنه قادر على ما لا نهاية له ، وهذا يوجب كون نعمته قبيحة ؛ لمقارنة الإساءة لها ، وكونه غير مستحقّ للمدح ؛ من حيث أخلّ بالواجبات التي هي أعظم ما فعله من النعم .
قيل له : إن ما يقدر عليه من النعم المبتدأة غير واجب عليه عندنا ؛ لأنه لو وجب ذلك لأدى إلى وجوب ما يستحيل منه إيجاده ، وهذا لا يصحّ ، فيجب بطلان ما سأل السائل عنه . فإذا بطل القول بأنه تعالى قد أخلّ بالواجب ، وجب كونه مستحقا للشكر على ما فعله من النعم . ولو ثبت أن ذلك واجب عليه لم يجب أن يكون مسيئا إلى العبد بأن لم يفعله به ؛ لأن ذلك يؤدّى إلى ألّا يقدر على الانفكاك من الإساءة ، وإذا بطل ذلك لم يتغير حال إحسانه إلى العبد الّذي اخترعه ، وجعله بالصفة التي ذكرناها .
وإنما ألزمنا المجبرة القول بأنه لا نعمة له على العبد من حيث خلقه ليضرّ به ، ويستدرجه إلى ما يؤدّيه إلى دوام العقاب الّذي لا يستحقّه ، فلذلك قلنا : إنه تعالى يجب أن يكون مسيئا إليه وظالما له ، وألّا يعتد بيسير إحسانه إليه . وليس كذلك ما ذكرناه .
يبيّن ذلك أن الواحد منا لا يخرج من أن يكون منعما على غيره ؛ من حيث لا يفعل به ما يقدر عليه من الإنعام الزائد على ما فعله . وكلّ ذلك يبيّن سقوط ما سأل عنه .
فإن قيل : إذا خلقه مشتهيا فلا يخلو من أن ينيله ما يلتذّ به على جهة الاضطرار ، وهذا يوجب نقص حال الملتذّ على حسب ما / يقولونه في أهل الجنة ؛ أنه لا يجوز كونهم مضطرين إلى أفعالهم وملاذّهم ؛ لما فيه من انتقاص حال الملتذّ ، وذلك يؤثر في كون اللذّة
هامش
( 1 ) كأن في الكلام بعده سقطا ، والأصل : « إذ حرمه فضلا كثيرا » مثلا .