إنهم لا يتغوطون ، ولا يحصل في جسمهم ما يتأذّى برائحته ؛ فإن ما يتناولونه يخرج عرقا في جسمهم طيب الرائحة ، فلو صح ما سألت عنه لوجب إذا خلقهم على هذا الحد أن يكون منعما ومحسنا ، وأن يكون إذا أحوجهم إلى ما سألت عنه أن يحسن منه ذلك للعوض كالآلام ، ولا يؤثّر ذلك في حسن إنعامه تعالى عليه .
هذا وقد علمنا أن العبد قد يخلو من التأذّى بهذه الأمور ، فلا يؤثّر في كون ما فعله اللّه تعالى به نعمة ، وقد يجوز لو تأذى به أن يقلّ تأذيه بالإضافة إلى عظيم النعم ، فلا يؤثّر في حسنه وكونه نعما . وقد يجوز من اللّه تعالى أن يجعل شهوته فيما لا يعقب هذه الأمور بالعادة ؛ نحو سماع الأصوات ، والنظر إلى الصور ، وشم الأراييح الطيبة ، على ما نقوله في الملائكة عليهم السلام . ونحن نتبين من بعد أن الأكل لا يجب أن يعقب ما قاله ، وإنما يحصل ذلك في الشاهد بالعادة ، ولذلك اختلفت « 1 » فيه ، وصار حصول المأكول وغيره في بعض الحيوان مستحيلا إلى صلاح ، وإلى رائحة طيبة ، فلذلك لم ينقصه في هذا الموضع .
فإن قال : إنه تعالى إذا شهّى إليه الشيء فيجب كونه مشتهيا لأمثاله ؛ لأن الشهوة لا تختصّ في التعلق ، وذلك يوجب أن العبد لا يخلو في كل وقت من أن يكون مشتهيا لأمر لا يصحّ أن يناله ، وذلك ينغّص النعمة ويوجب قبحها .
قيل له : إنا قد بينا أن كونه غير مدرك لما يشتهيه لا يوجب كونه مضرورا وألما أو مغتمّا إذا لم يكن في الحال نائلا لأمثاله ، فكيف به إذا كان نائلا لبعض ما يشتهيه على وجه / لا يصحّ أن يزيد عليه . وذلك يسقط ما سأل عنه .
فإن قيل : أليس قد ينال ما يشتهيه بعد تقدّم استيفاء الطعام ويضر ذلك به ، فيجب
هامش
( 1 ) كأن المراد : اختلفت الأحياء أو الحيوانات .