تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
أنه يحسن من الإنسان أن يملّك غيره ما ينتفع به ، ويحسن منه أن يعيره أوقاتا ثم يسترجعه ، فما الّذي يمنع من حسن إنعامه تعالى بالاختراع على الوجه الّذي وصفناه ، وإن كان يقطع ذلك بموت أو غيره ، ولا يكون هذا القطع بمفسد للنعمة ؛ لأنها لا تخرج من أن تكون منفعة غير مؤدّية إلى مضرة . فإن قال : إنما سألناكم عن قطع تلك النعم بالموت على وجه يألم بذلك ويغتمّ ، ومثل ذلك يقبح في الشاهد ، لأن المعير لغيره ثوبا لو آلمه الاسترجاع لكان فاعلا فعلا قبيحا . قيل له : إنه تعالى إذا آلم عند الموت فسيعوّض على ذلك ، ويصير من هذا الوجه نفعا / على ما نبينه من بعد ، فيجب ألا يؤثر في كون ما تقدم نعمة خالصة . فأمّا إذا مات من غير ألم فإنه لا يجب أن يعوّض على ذلك ، ولا يؤثر في كون ما تقدم إحسانا . وذلك يبطل القول بأن هذه النعم منه لا تخلص عن مضرة متأخّرة . فإن قال : إن ذلك يستحيل ، لأن من كان في نعمة فلا بدّ من أن يغتم بزوالها وانقطاعها ، فيجب ألا تخلو نعمة من هذا الغمّ ، وفي ذلك تصحيح ما سألناكم عنه . قيل له : إنه لا يمتنع منه تعالى ألا يخطر بباله انقطاع ذلك ، ولا يجعله بصفة من يتفكر فيه ، ثم يعدمه حياته ، من غير ألم ، فتكون النعمة منه خالصة غير مشوبة بألم وغمّ وإنما [ لا « 1 » ] يبعد ما ذكرته في العاقل المتفكّر في أحوال ملاذّه ، ومن كان هذا حاله ولم يخل من الغمّ بانقطاع النعم فيجب أن يعوّض على ذلك ، فيصير ذلك نعمة تالية للنعم الأولى ؛ على ما نبينه في باب العوض . ولا يبعد أن يقال : إنه تعالى وإن خلقه عاقلا متفكرا في أحواله فقد جعله بحيث يظن في أكثر الأحوال البقاء ؛ ومع قوة ظنه لذلك يبعد أن يغتم ؛ فإذا فاجأه الموت من بعد فقد خلص نعيمه من غمّ وألم ، فلا يجب ما سأل عنه على هذا الوجه . يبيّن ذلك أن
هامش
( 1 ) زيادة اقتضاها المقام .