تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
فإذا صحّ ذلك لم يجب فيما إذا خلق تعالى الخلق وأعطاهم الشهوة ومكّنهم من المشتهى ، وأنالهم إياه حتى التذّوا به أن تكون نعمته مشوبة بالمضرة ، بل جميع ما فعله نعمة ؛ كما أن الواحد منا لو أعطى غيره ما لا ، ثم مكّنه من تحصيل مراده بذلك المال ، كان منعما ، وكان أعظم نعمة ممن فعل أحد هذين . على أن الشهوة لو كانت مضرة على ما سأل عنه لوجب أن يقبح من الواحد منا التعمّد لتقوية شهوته بما يتكلفه من بذل الأموال وغيره . فإذا ثبت حسن ذلك إذا كان متمكّنا من نيل ما يشتهيه فيجب أن يحسن منه تعالى خلق الشهوة إذا مكّنه من المشتهى أو آتاه إياه فالتذّ به . فإن قيل : فهل يصح حصول الشهوة ولا تلحق المشتهى مضرة ؛ نحو الجوع وغيره . قيل له : إنه لا يمتنع وجودها ولا مضرة ، سيّما إذا وجدوا معها سائر ما يشتهيه وناله ؛ لأن ذلك لو كان مضرة لم يصح حصول منفعة معقولة ، وفي الجهل بالنفع المحض جهل بالمضرة ، وفي هذا بعض ما نعلمه ضرورة ، فكيف يقال : إنه تعالى مضر بخلقه إذا خلق لهم الشهوة ؛ وأنالهم المشتهى ، وبلّغهم الأماني . وقد بينّا بطلان القول بأن اللذّة راحة من مؤلم ، فليس لأحد أن يقول : إنه تعالى إذا شهّى إليهم ما نالوه فلا بدّ من أن يكون مؤلما لهم ، وإن أراحهم منه . هذا ، وقد بينا أن ذلك لو كان مضرة إذا انفرد ولم يجب إذا وجد معه اللذة أن يكون مضرة . فهذا القول ساقط على كل حال . / فإن قيل : إن من جعل غيره محتاجا فقد أضرّ به والشهوة هي أصل الحاجة ، فكيف يصحّ ما ذكرتموه : من أن ما فعله تعالى هو نفع مخصوص . قيل له : إن الشهوة وإن كانت هي الأصل في الحاجة ، فهي الأصل في المنفعة واللذة ، وكما أنها إذا انفردت عن المشتهى تضر ، فكذلك إذا قارفها المشتهى تنفع ؛ لأنه لولا ها لم يلتذّ بما يناله ؛ كما لولا ها لم يضره فقد المشتهى . وإذا صحّ ذلك ثم خلق تعالى الشهوة مع المشتهى عند ابتداء الخلق فيجب كونه نافعا منعما .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 108 | القاضي عبد الجبار الهمذاني