لا يصحّ منه الإنعام إلا بتقدم القبيح ، وذلك يؤكد لزوم ما ألزمناكم .
قيل له : إن خلق الشهوة ليس / يضرّ في الحقيقة ؛ لأن المشتهى للشئ متى لم يقترن بشهوته غيرها من ألم وجوع لم يلحقه بها مضرّة ، ولذلك قد يشتهى الواحد منا بعد تناول ما يريده أشياء لا يلحقه مضرة بفقدها ، وإن كان لو أدرك ما يشتهيه لانتفع به ، فلو لا أن الأمر كما قلناه لم يخل الواحد منا في كل حال من أن يكون مضرورا ؛ لأنه لا حال إلا وهناك ما يشتهيه ، ولو أدركه لالتذّ به ، فإذا صح ذلك ولم يمتنع أن يخلق تعالى الحىّ ويخلق فيه الشهوة ولا يخلق معها ما يألم به بل يمكّنه من المشتهى فيجب كونه محسنا بابتداء ذلك ، وأن يكون فاعلا للنعمة ، من دون مقارنة مضرة ولا تقدم لها .
وفي ذلك سقوط ما سأل عنه .
وإنما يحتاج أن يبيّن بعد ذلك القول في أنه يحسن منه تعالى أن يكلّف ويؤلم ويعرّض بها للمنافع ، فإن ذلك في أنه نعمة بمنزلة ابتداء النعمة ، وذلك بين في الشاهد ؛ لأنه لا فرق بين أن يروّح الإنسان عمن ناله حرّ شديد ، وبين أن يعطيه الآلة التي يروّح بها عن نفسه في أنه منعم في الحالين . ولا فرق بين من يطعم غيره أو يعطيه ما يحصل به الطعام في أنه منعم ، ولا فرق بين أن ينفع ولده ، أو يعرّضه بالآداب وغيرها للمنزلة العالية ، في أن ذلك حسن . ونحن نتقصى القول في ذلك عند بيان وجه الحكمة في التكليف والآلام . فإذا صحّ ما قدّمناه ثبت أنه تعالى منعم بابتداء الخلق ، وأن إنعامه بذلك يصحّ وإن لم يتقدمه ولم يقارنه مضرة على وجه .
على أن ما ذكره من الشهوة لو كانت مضرة مع فقد المشتهى لم يجب كونها ضررا مع التمكين من نيله ؛ لأن كون الشيء ضررا أو نفعا قد يتغيّر بمقارنة الغير والتعرّى / منه . ألا ترى أن إخراج الإنسان الثوب الّذي يملكه يكون مضرة إذا عرى من بدل ، ولا يكون ضررا إذا أخرجه ببدل يوفى عليه في النفع ، فكذلك القول فيما يدفع به المضارّ .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 107
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠٧