يبين ما قلناه أن الرجل ربما قرب أن يصير ملجأ إلى الإحسان إلى ولده ويستحق مع ذلك منه الشكر والتعظيم ، ويحسن ما يفعله من ذلك وإن لم يلحقه بذلك مشقّة ، فالقديم تعالى يجب وإن لم يلحقه المشاقّ - تعالى عن ذلك - أن يحسن منه الإنعام ويستحق به الشكر على المنعم عليه متى كان عاقلا . على أنه لو ثبت أنه لا يستحق تعالى الشكر بابتدائه الخلق وإنعامه عليهم لم يؤثّر في حسن ما فعله من ذلك ؛ لأنه لا يجب في كل حسن أن يستحق به الشكر أو المدح ؛ ألا ترى أن المباحات كيف تحسن منا وإن لم يستحق بها ذلك ، وكذلك القول في العقاب . فقد ثبت على كل حال / أن ابتداءه تعالى اختراع الخلق لينفعهم يحسن لو ثبت أنه لا يستحق الشكر والمدح إلا بالشاق ، فكيف وقد بينا أنهما قد يستحقان بغيره ، وأنه تعالى يستحق بذاك الشكر والمدح جميعا ، بل به يستحق العبادة التي لا تستحق إلا بنعمة فقط ، ولم نقل : إنه يجب أن يستحق بذلك ما ذكرناه ؛ لأنه لا يجوز من الحكيم أن يفعل ما لا يستحق به الشكر والمدح ، لأنه تعالى لا يستحقّهما بفعل العقاب والذمّ ، ويحسن منه فعل ذلك من حيث كان مستحقا ، وإنما أوجبنا استحقاقهما بما فعله من ابتداء الخلق ؛ لأن الفعل قد وقع على وجه يستحق به ذلك على ما بيناه .
وبعد ، فإنه تعالى إذا ثبت أنه يحسن منه تعريض المكلّف بالتكليف للمرتبة العالية ، وقد علمنا أن ذلك يقتضي وجوب الثواب عليه ، ومن حق الثواب أن يستحق به المدح ، كما يجب أن يستحق بألا يفعله الذم ، فقد صح استحقاق المدح بما لا يشق من الأفعال ، فما الّذي يمنع من أن يستحق الشكر والمدح بابتداء الخلق وإن استحالت المشاق عليه .
على أنه إذا ثبت وجوب العبادة على المكلّف فبأن يجب عليه الشكر على نعمه تعالى أولى . وذلك يبين أيضا صحة ما ذكرناه . وليس لأحد أن يدّعى علينا أنا أثبتنا الأصل وهو حسن الابتداء بالخلق بالفرع الّذي هو حسن التكليف ووجوب الثواب . وذلك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 105
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠٥