تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
لأنا إنما أثبتنا بذلك صحة استحقاق الشكر والمدح على ابتداء الخلق ، وقد يمكن أن يعلم قبل هذه المعرفة حسن تكليفه تعالى ووجوب الثواب عليه ، فالكلام مستقيم ، وإن كان ما قدمناه هو الأصل في هذا الباب . فإن قيل : هلّا قلتم : إن ابتداء اختراع الخلق لا يحسن / ؛ لأنه ممن لا يجوز عليه المنافع ، والفعل إنما يحسن متى كان لفاعله فيه نفع أو دفع ضرر . قيل له : قد بينّا في أول باب العدل أن الفعل قد يحسن وإن لم ينتفع به فاعله ، وقد يصحّ وقوعه من العالم به لحسنه ، وإن لم يكن له فيه نفع . وبسطنا القول فيه فلا وجه لإعادته . فإن قيل : ما أنكرتم أن ماله يحسن من الواحد منا الإحسان والإنعام في الشاهد هو إيصال نفع إلى الغير من دون أن يتقدمه إضرار به ، وذلك لا يصحّ فيما يفعله تعالى ؛ لأنه لا يصح أن ينفع الخلق الذين ابتدأهم إلا بعد أن يضرّ بهم ؛ من حيث خلق فيهم الشهوة التي هي أصل الحاجة ، ونفور الطبع ، ومن حيث لا بدّ من أن يجعلهم ممّن يلحقهم الجوع ، وما شاكله ممّا يصحّ بعده الانتفاع ، ومن حيث يجعلهم بحيث يلحقهم المشاقّ العظيمة إذا هو كلّفهم ، ومن حيث لا بدّ من أن ينزل بهم الآلام والأمراض ؛ ليصحّ من بعد أن ينفعهم عاجلا وآجلا ، وكل ذلك يبيّن مفارقة فعله للإحسان الحاصل فيما بينا ، في الوجه الّذي حسن وصار نعمة فيجب ألا يكون ذلك حسنا منه ولا إحسانا وإنعاما ، أو لستم تعلمون أن الواحد منا لو فعل بغيره ما أحوجه إلى إزالة المضرة عن نفسه لم يكن محسنا إليه ؛ نحو أن يعرّضه لبرد أو حرّ ثم يزبلهما عنه ، ونحو أن يجرحه ثم يداويه ، إلى ما يطول ذكره ، فهلّا قلتم : إن ما يفعله تعالى بهذه المنزلة في باب القبح ، وفي أنه لا يعد نعمة وإحسانا ، فإن قلتم : إنه لا يصح منه تعالى الإنعام إلا على هذا الوجه فيجب أن يحسن منه ، قيل لكم : إنكم كأنكم حكمتم بأن الإنعام لا يصح منه أصلا ، أو أنه