تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
على أنه لو ثبت أن المنعم لا يستحقّ المدح بالإنعام إلا إذا كان محتاجا إلى ما بذله ، لم يخرج إنعام من لا تصحّ عليه الحاجة من أن يكون حسنا ، وأن يستحق به الشكر ، وإن لم يستحق به المدح . وكما أن نفى استحقاق الثواب بذلك إذا لم يكن شاقّا لا يؤثّر في حسنه واستحقاق الشكر به ، فكذلك نفى استحقاق المدح به . فقد بان أن تسليم ما قاله لا يؤثّر في أن ابتداءه تعالى إيجاد الخلق لينفعهم يحسن ويستحق به الشكر ، فكيف وما قاله لا يصحّ ؛ لأن استحقاق المدح بالإحسان أصل ؛ كما أن استحقاق الشكر به أصل . فإن قال : ألستم تثبتون استحقاق المدح والثواب بوجه واحد ، وتعتمدون في دوام الثواب على دوام المدح من حيث ثبتا بأمر واحد وزالا بأمر واحد ، فكيف يجوز أن يستحق فاعل الإحسان المدح إذا لم يجز عليه الشاقّ مع أنه لا / يستحق الثواب . قيل : إن المشقّة إنما اقتضت استحقاق الثواب من حيث كان لا يحسن من الحكيم أن يجعل الفاعل ممن يشق عليه ما كلّفه وحسّنه في عقله إلا ويستحق عليه نفعا يجرى مجرى المدح ؛ كما لا يحسن منه أن يؤلم إلا لنفع يوفى عليه . وليس كذلك حال المدح ؛ لأنه لا يتبع في الاستحقاق ما ذكرناه ، فلذلك استحقّه من لا يجوز عليه المشاقّ كما يستحقّه من يجوز ذلك عليه . وإنما استحال أن يستحقّ القديم تعالى الثواب لما بيّناه من أنه يتبع كون المستحق به شاقّا على بعض الوجوه . فإذا استحال ذلك عليه لم يجز أن يستحق الثواب . وليس كذلك حال المدح . على أنا قد بينا أنه لو لم يستحق المدح لم يخرج من أن يكون مستحقّا للشكر ، ومن أن يكون ما فعله من ابتداء الخلق لينفعهم نعمة وإحسانا . يبيّن ذلك أن الوالد يستحق الشكر على ولده ، وإن لم يلحقه فيه مشقّة ، لما كان هو الأصل في خلقه ، وكونه بالصفة التي معها يتنعّم بالعادة ، والقديم تعالى إذا كان هو الخالق له بأن يستحق الشكر أولى .