ذلك لا يؤثّر في أن لكون الفعل نفعا تأثيرا في استحقاق المدح ، ولزيادته تأثير في زيادة ما يستحقّ من المدح والتعظيم ؛ ألا ترى أن المشقّة التي تلحق بحفر البئر في الموضع المسلوك والطريق المنقطع سواء ، ويستحقّ المدح على أحدهم لمكان « 1 » انتفاع الناس به أكثر ولذلك يعظم موقع الفعل إذا كثر اقتداء الناس به إذا كان خيرا وطاعة ، على ما نقوله في وجه تفضيل النبي صلى اللّه عليه وسلم على غيره من الأنبياء صلوات اللّه عليهم . ولا فرق بين من قال : إن زيادة النفع لا تؤثر في هذا الباب ، وبين من قال بمثله في زيادة المشقّة ؛ لأن كل واحد منهما أصل في العقول .
فإن قال : لو كان الأمر كما قلتم لوجب إذا انتهى حال الإنسان إلى ألّا ينتفع بماله ، أن يستحقّ المدح على بذله لغيره ؛ كما يستحقّه إذا كان محتاجا إليه أو راجيا للحاجة .
قيل له : إن الواحد منا / لا يكاد ينتهى إلى الحدّ الّذي وصفته مع كمال عقله ؛ لأنه إمّا أن يكون في الحال محتاجا إليه ، أو مؤملا لبلوغه حالا يحتاج إليه ، أو يحتاج إليه من يجرى مجراه عنده ؛ كالولد وغيره ، ولو ثبت ما ذكرته كان لا يخرج من أن يستحقّ بما يفعله المدح ؛ وإن كان ما يستحقه المحتاج على البذل أكثر ؛ من حيث حصل في فعله أنه إنعام ، وأنه شاقّ ، فحل محل الفعل الّذي يجب لوجهين في أن ما يستحقّ به من المدح أكثر .
وبعد : فإنه لا يجوز أن يعترض على الأمور الواضحة بمسائل مقدّرة غير موجودة في الشاهد ، ولا شيء أوضح من حسن الإنعام واستحقاق المدح به ، من حيث كان إحسانا ، فكيف يعترض على ذلك بتقدير ما سأل عنه ، بل يجب أن يحمل ما قدّره على هذا الأصل الواضح .
هامش
( 1 ) أي لكون . فمكان مصدر ميمى بمعنى الكون . وقد يكون الأصل : « لما كان . . . »