للحىّ منفعة ، وإيصاله المنفعة إليه أولى بالحسن وأقرب إلى الإحسان . ولذلك قلنا : إن نعم القديم سبحانه قد بلغت المبلغ الّذي يستحقّ به العبادة ، وإن ذلك لا يصحّ في نعم غيره ، ولذلك صارت نعمه تعالى أصولا للنعم ، ومستقلة بنفسها ، ونعم غيره تابعة في كونها نعمة لنعمه تعالى ، فإذا صحّ ذلك وجب أن يكون ما سأل عنه مؤكّدا لكونه تعالى منعما .
فإن قال : إنما يحصل الواحد منّا منعما من حيث كان بذله لما يبذله أو إقدامه على ما يفعله يشقّ عليه ، ويكون مؤثرا للغير على نفسه ، فإذا استحال ذلك في القديم تعالى فيجب ألا يكون محسنا .
قيل له : إن الوجه الّذي له يكون الفعل إحسانا كونه نفعا للغير ، فلا معتبر بحال فاعله في كونه محتاجا أو غير محتاج / أو ممّن يشقّ عليه الفعل أو خلافه ؛ لأن ما له حسن هو ما ذكرناه فقط ؛ كما أن ما له صار نعمة هو ما ذكرناه ؛ لأنه لو شقّ عليه الفعل ، وأخرج ما له مع الحاجة ، ولم ينفع غيره به كان لا يكون منعما ، فإذا أوصله إلى الغير يكون نعمة وإحسانا ، فيجب أن يكون إذا كان وجه حسنه كونه نعمة ولم يتعلق كونه نعمة بحال فاعله ( فكذلك « 1 » كونه حسنا ) .
فإن قال : أليس كلّما زادت المشقّة في الإحسان كان ما يستحقّه فاعله من المدح أكثر ، فما « 2 » أنكرتم أن للمشقّة مدخلا في حسنه ، واستحقاق المدح به .
قيل له : إنا لا نمتنع من القول بأن للمشقّة تأثيرا « 3 » في زيادة المدح الّذي يستحقّه المكلّف ، بل متى لم يكن الفعل شاقّا لم يستحقّ الثواب أصلا . فأمّا المدح فإنه في أصل الاستحقاق لا يتبع كون الفعل شاقّا ، وإن كان قد يعظم لكونه كذلك ، لكن جميع
هامش
( 1 ) كذا في الأصل . والأولى . « ما ذكرناه حسنا » .
( 2 ) في الأصل : « مما » .
( 3 ) في الأصل : « تأثير » .