فحذف المقدمة . وكذلك يقول إنه جل وعز متكلم فيما لم يزل بأن أرسل نوحا عليه السلام . وأقول بعده : إنا أرسلنا نوحا ليخرج بذلك من كونه كذبا .
قيل له : إن العقل قد دل على أنه تعالى لا يجوز أن يخلق الذّكر إلا وهناك من ينتفع به من الأحياء ، وإلا كان خلقه لذلك عبثا . فقوله صلى اللّه عليه وسلم :
« كان اللّه ولا شيء » على ظاهره .
وقوله : ثم خلق الذكر . ليس فيه إنه لم يخلق معه وقبله من ينتفع بالذكر ، فيجب حمله إذا على ما قلناه . ولا يدل ذلك على أنه خلق القرآن قبل كل شيء أو معه . وإذا صح ذلك سقط ما ألزمنا إياه ، لأنه لا يمتنع أن يكون في جملة القرآن ما خلقه . وأما الإخبار عن الأنبياء عليهم السلام فكما / كان ، وإنما فعله بعد كون هذه الأشياء ، فليس في ظاهره أنه خلق كل الذكر قبل جميع هذه الأشياء ، بل ليس في ظاهره أن الذكر المذكور هو القرآن دون أن يكون غيره من الكتب وغيرها .
وقولنا : إنه فعل القرآن أولا ثم أنزل حالا بعد حال ، لا يدفع صحة ما قلناه من أنه أخبر عن إرساله نوحا بعد ما أرسله ، فيكون الكلام صدقا ، وإنما يحمل قوله تعالى :
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ
« 1 » وما شاكله على أن في الكلام حذفا ، للدليل الّذي دل عليه من حيث علم أن أهل الجنة والنار لم يحصلوا فيهما . فالضرورة قادتنا إلى ما ذكرناه . وما لا ضرورة فيه يجب حمله على ظاهره .
على أن جميع ما سأل عنه لو قلنا به لصح لنا تقدير مقدمات فيه ، لأن الكلام فعله جل وعز عندنا ، ويقع باختياره ، فلا يمنع فيه النقصان والزيادة وحذف
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : آية رقم 50