تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
ومما يبطل به ذلك أن الصدق والكذب لو تضادا لتضادا على محل واحد دون محلين ، فما الّذي يمنع من كونه صادقا كاذبا بالإخبار عن الشيء الواحد أو عن الشيئين في محلين ، كما يكون محركا مسكنا ، نافعا ضارا ، يفعل ذلك في محلين . فإن قال : هذا إنما يجب لو كان متكلما بكلام من جنس ما يعقل . فأما وهو متكلم لنفسه فذلك غير واجب . قيل له : إنما يتكلم على ما يعقل / من الأمور ، فأما ما لا يعقل منها فمن ارتكبه تلزمه كل جهالة . وكيف يصح أن يحال كونه كاذبا من حيث كان صادقا على وجه لا يعقل . ولعل كونه صادقا على هذا الوجه يقتضي وجوب كونه كاذبا ، أو صحة كونه كاذبا معه إذا كان لا يعقل . وهلا صح كونه نافعا لنفسه ويستحيل أن يضر لأنه نافع لا على وجه المعقول ، وكذلك القول في سائر صفات الأفعال . ومما يبطل به ذلك أنّ الصدق والكذب لا يتنافيان من حيث كان أحدهما صدقا والآخر كذبا ، لأن حروفهما قد تكون متماثلة . بل الكلام الّذي يقع صدقا قد كان يجوز أن يقع كذبا ، على ما بيناه في باب الإرادة . فإذا صح ذلك فكيف يقال : إنّ كونه صادقا لنفسه يحيل كونه كاذبا . والحال فيهما ما قلناه . وهل هذا القول إلا بمنزلة من قال : إنّ كونه صادقا بالخبر عن الشيء يحيل كونه صادقا بالخبر عن غيره ، لأن الصدقين كالكذب والصدق أنهما قد يتماثلان ويختلفان . فإن كان كونه صادقا يمنع من كونه كاذبا ، فكونه صادقا عن الشيء يمنع من كونه صادقا عن غيره . بل الصدق عن الشيء قد يخالف الصدق إذا أثر فيه بلفظين مختلفين بلغة واحدة ، أو بلغتين . فيجب أن يمنع كونه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 77 | القاضي عبد الجبار الهمذاني