قيل له : إنا قد بينا وسنبين إبطال القول بأنه متكلم بكلام مخالف لهذا الكلام ، فإذا صح ذلك فالذي ذكرناه الآن صحيح . فأما تعلقك بكلام قائم في النفس فقد بينا فساده من قبل . وذلك يسقط اعتصامك به فيما ذكرناه .
وبعد : فلو ثبت معنى في النفس لم يخل من أن يكون معنى واحدا هو أمر ونهى وخبر ، إلى سائر أقسام الكلام ، أو معاني تطابق في حصرها وعددها الحروف التي هي عبارة عنها .
فإن قالوا بالأول ، لزم في كل متكلم وجد في قلبه ما قالوا إنه كلام ، أنه يكون متكلما بكل أقسام الكلام وضروبه ، وألا تتفاضل أحوالهم في كونهم متكلمين .
وفساد ذلك يبطل هذا القول . فيجب كونه مطابقا للحدوث . وهذا يوجب فيه من الصيغة والنظام واختلاف الحال عليه بكونه خبرا عن مستقبل « 1 » وكائن وماض ما ذكرناه في الحروف . وذلك / يبين أن تخليصهم من الأمر الّذي ألزمناهم بذلك لا يصح .
فإن قالوا : أليس من قومكم : إنه عز وجل خلق الذّكر الّذي هو القرآن قبل كل شيء . على ما روى عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : كان اللّه تعالى ولا شيء ثم خلق الذّكر . فعلى أي وجه تحملون أنتم قوله تعالى وعز :
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
« 2 » وتدفعون به كونه كذبا يحمله على مثله .
فإن قلنا : إنه متكلم لم يزل ، أوليس من قولكم إنه عز وجل تكلم بالقرآن أوّلا وأثبته في اللوح المحفوظ ثم أمر جبريل عليه السلام بإنزاله حالا بعد حال أوليس قد قال تعالى :
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا
« 3 »
هامش
( 1 ) الأصل : « المستقبل » .
( 2 ) سورة نوح رقم 1 .
( 3 ) سورة الأعراف رقم 50 .