تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
صادقا بالخبر عن الشيء كونه صادقا بالخبر عنه بلغة أخرى / أو عبارة أخر . فإذا بطل ذلك ثبت أن على قولهم أنه متكلم لنفسه يلزمهم كونه كاذبا ، وأن تعلقهم بأنه صادق لنفسه لا يغنى عنهم شيئا ويلزمهم كونه كاذبا بالخبر عن الشيء الّذي هو صادق بالخبر عنه ، إلى سائر ما قدمناه . وقد ألزمهم شيوخنا - رحمهم اللّه - القول بوجوب كونه كاذبا إن كان متكلما لنفسه . وذلك أنه يجب أن يكون قائلا لم يزل :
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
« 1 » إلى ما شاكل ذلك من الأخبار . وقد علم أن مخبر ذلك لم يحصل فيما لم يزل ، فيجب كونه كاذبا ؛ لأن حقيقة الكاذب هو أن يخبر عن الشيء على ما ليس به . فإن قال : إن خبره عن إرسال نوح يفيد فائدة واحدة . فإذا كان مستقبلا قيل إنه أرسل نوحا . وإذا حصل الإرسال قيل : إنا أرسلنا نوحا . والكلام لا يتغير ، كما يقولون لمثله في أن كونه عالما بأنه يخلق هو كونه عالما بأنه خالق ، وإنما العبارة عنه تتغير . قيل له : إن الخبر له صورة ونظام ، لأنه جملة حروف يختلف نظامها وترتيبها ، فالخبر عن المستقبل يستحيل كونه خبرا عن الكائن وعن الماضي ، ويفارق العلم الّذي هو معنى واحد يتعلق بالمعلوم على حد واحد . والعبارة تختلف عنه في الاستقبال والحال والماضي . وإن كانت حاله لا تختلف كما تختلف العبارة عن الوقت ، وإن كان / المعنى لا يختلف . وقد بينا ذلك في باب الصفات فلا وجه لإعادته . وذلك يسقط ما تعلقوا به . فإن قالوا : إن ما ذكرتموه صحيح في الأخبار التي هي الحروف المنظومة ؛ وإنما ادعينا ما ذكرناه في الكلام القديم ، وجوزناه في كونه متكلما لنفسه أو في الكلام الّذي هو معنى في النفس ، فإبطالكم ذلك بما أوردتموه لا يصح .
هامش
( 1 ) سورة نوح : آية رقم 1