وكلا الوجهين يمنع من الثقة بأخبار اللّه عز وجل ، لأنه لا يؤمن أن أكثرها وأجلّها كذب ، وأن الصدق غيرها واليسير منها . وما أوجب ألا يوثق بأخبار القرآن فيجب فساده .
ومما يبطل به ذلك أنّ كونه صادقا لا يقتضي اختصاصه بحال ينافي كونه كاذبا ، كما ينافي كونه عالما بالشيء كونه جاهلا به ؛ فكيف يمنع كونه صادقا لنفسه كونه كاذبا ، وهل هذا القول إلا كقول من قال : إن كونه محركا يمنع من كونه مسكنا ، وكونه نافعا يمنع من كونه ضارا ، قياسا على كونه عالما يمنع من كونه جاهلا ، وإنما وجب ذلك عندنا في كونه عالما من حيث اقتضى كونه على حال مخصوصة ، فاستحال / كونه على ضدها ؛ لأن كونه الموصوف على صفتين ضدين يستحيل . وذلك لا يتأتى في كونه صادقا وكاذبا . فتعلقهم بذلك بعيد .
فإن قالوا : إن كون الواحد منا صادقا لا يوجب كونه على حال لأنه صادق يفعل الصدق ، وليس كذلك حاله تعالى ، لأنه صادق لنفسه . فلذلك أجريناه مجرى كونه عالما .
قيل له : إنما تعقل الصفة في الشاهد ثم تثبت [ في ] « 1 » الغائب على مثلها .
ويفصل بينهما في وجه استحقاقها . فأما إذا لم تثبت في الشاهد أصلا فإثباتها في الغائب محال . ولو جاز ذلك لجاز أن يقال : إن له تعالى بكونه محركا حالا « 2 » ، فيستحيل أن يسكن ؛ ويكونه عادلا حالا « 3 » فيستحيل أن يظلم ، وبكونه نافعا حالا « 4 » ويستحيل أن يضر . وإن رجع في ذلك أجمع في الشاهد إلى الفعل . وهذا متى قيل به دعا إلى كل جهالة ، فيجب إذا لم يفد كون الواحد منا صادقا كونه على حال ألّا يفيد ذلك فيه تعالى ، وفي ذلك إسقاط معتمدهم .
هامش
( 1 ) تكلمة يقتضيها السياق .
( 2 ) في الأصل : « حال » .
( 3 ) في الأصل : « حال » .
( 4 ) في الأصل : « حال » .