أنه يقال : لم يخبر عن آخر الثواب والعقاب اللذين يفعلهما على التفصيل ، لأن ذلك يوجب وجود ما لا نهاية له من الأخبار ، فهذا أيضا يبطل الوجه الأول . على أنه لو وجب كونه صادقا بالإخبار عن كل شيء ، من حيث كان صادقا لنفسه ، لوجب كونه آمرا بكل شيء على كل وجه من حيث كان آمرا لنفسه . وكل ذلك يحيل كونه ناهيا ، أو يوجب كونه آمرا ناهيا لكل شيء ، فإذا بطل ذلك بالإجماع ، ولأنهم لا يقولون به ، بطل بمثله ما ذكروه في الصدق . فإذا بطل الوجه الأول لم يبق الا أن يقولوا : إنه وإن كان صادقا لنفسه فلا يوجب كونه مخبرا عن كل شيء على كل وجه على سبيل الصدق .
ومتى قالوا ذلك لزمهم تحوير كونه كاذبا بالإخبار عما لم يصدق بالإخبار عنه ، كما أنه لما كان آمرا بأشياء مخصوصة لم يمنع ذلك كونه ناهيا عن غيرها .
وبطل بذلك ما اعتمدوه من كونه عالما لنفسه ، لما أحال كونه جاهلا .
وكذلك كونه صادقا لنفسه يحيل كونه كاذبا ، لأن ذلك إنما وجب فيه من حيث وجب كونه عالما بكل شيء على كل وجه . ولو صح كونه عالما بأشياء دون غيرها ، مع كونه عالما لنفسه لم يمنع ذلك من كونه جاهلا بما عداها ، كما إنه لما ثبت أنه مريد لبعض الأشياء لم يمتنع كونه كارها لبعض آخر . فقد صح أن القول بأنه صادق لنفسه لم يعصمهم من لزومه . وعلى هذا الوجه ألزمهم شيوخنا - رحمهم اللّه - القول بأنه كاذب لنفسه ، مع كونه صادقا لنفسه . كما قالوا بأنه ناه لنفسه ، وإن كان آمرا لنفسه .
وعلى الوجه الأول يلزمهم كونه صادقا بالإخبار عن كل شيء ، وكاذبا بالإخبار عن كل شيء . وعلى الوجه الثاني يلزمهم كونه صادقا بالإخبار عن أشياء ، وكاذبا بالإخبار عن غيرها .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 75
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٥