بهذا القول ، والحال ما قلناه إنه صادق لنفسه بأولى ممن ألزمهم القول بأنه كاذب لنفسه ، والصدق يستحيل عليه .
ومما يبطل به ذلك أن كونه صادقا لنفسه لا يخلو من أن يوجب كونه مخبرا عن كل شيء على وجه الصدق ، حتى لا ينفى ما يصح أن يصدق بالإخبار عنه إلا وقد صدق بالإخبار عنه على كل وجه يصح أن يخبر عنه ، أو يصح مع كونه صادقا عن شيء دون شيء .
فإن قالوا بالوجه الأول لزمهم كونه متكلما لنفسه بالصدق والكذب ، من حيث هو متكلم لنفسه ؛ لأنه إن وجب من حيث كان صادقا لنفسه أن يصدق بالإخبار عن كل شيء ، لدخول ذلك أجمع تحت كونه صادقا ، فيجب كونه كاذبا بالإخبار عن كل شيء وصادقا بالإخبار عنه ، لدخول الأمرين جميعا تحت كونه متكلما ، وإلا فإن جاز أن يختص من حيث كان متكلما بالصدق فقط ليجوزنّ أن يختص من حيث كان صادقا بالصدق عن بعض الأشياء دون بعض فقط .
يبين ما قلناه أنّ كونه عالما لنفسه لما أوجب كونه عالما بكل شيء من غير تخصيص ، ولو كان معتقدا لنفسه لوجب كونه عالما بكل شيء وجاهلا به ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
فقد صح أن هذا الوجه يؤكد ما ألزمنا هم من كونه كاذبا ، وأنّ قصدهم به إلى التخلص من ذلك لا ينفع .
وبعد . فإن هذا الوجه باطل عند الكل ، لأنه ليس لأحد أن يصفه عز وجل بأنه يخبر عن كل شيء على كل وجه يصح أن يخبر عنه ، وقد نطق الكتاب بخلافه في قوله تعالى :
مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ
« 1 » الآية . ولا شك
هامش
( 1 ) سورة غافر : آية رقم 78